وقبل الكلام على أقوال العلماء التي يتعلق بها المحسن للبدع ، لابد من التوطئة ببعض القواعد :
الأولى :
أن ظاهر كلام الشارع هو المعتبر والمعمول به ، والمعتمد عليه ما لم يوجد دليل يصرف اللفظ عن ظاهره ، ونصوص الشريعة الذامة للبدعة هي من هذا القبيل
الثانية :
أن الخطاب الموجود في النصوص الشرعية على درجات أعلاها ما لا يحتاج إلى بيان وأدناها ما لا يعرف إلا ببيان يزيل إجماله ، ويكشف إبهامه باجتهاد ونحوه، ونصوص الاعتصام بالسنة ،وترك كل بدعة من النوع الذي لا يحتاج إلى بيان لوضوح الخطاب الشرعي فيها .
الثالثة :
أن الواجب على العلماء والمفتين الحكم بالظاهر من الأدلة ،وليس لهم أن يحدثوا أحكاماً أو أقساماً لا ترجع إلى الكتاب والسنة أو الإجماع .
الرابعة :
قول أو فعل أو فهم أي أحد من البشر ـ عدا النبي صلى الله عليه وسلم لا يصار إليه إذا كان مخالفاً للنقل ، لأنه ليس في أحد حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم فضلاً عن أن يكون قوله المخالف للسنة حجة .
الخامسة :
من قول الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة : ( قال فكل كلام كان عاماً ظاهراً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على ظهوره وعمومه ، حتى يعلم حدي ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بأبي هو وأمي ـ يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض ..) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " كل بدعة ضلالة" من هذا الباب ، لأنه لم يعلم حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أراد بهذه الجملة العامة الظاهرة بعض البدع دون بعض ، بل نص قوله يدل على أن المراد عموم البدع بلا استثناء، ولا تخصيص .
ومن العلماء الذين يحتج المحسِّن للبدع بما روي عنهم :
1- الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ :
والمنقول عنه في تعريف البدعة ما يلي :
أ- ما رواه أبو نعيم في الحلية بسنده عن الشافعي أنه قال : ( البدعة بدعتان : بدعة محمودة، وبدعة مذمومة ، فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم ، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان نعمت البدعة هي) .
ب- ما رواه ابن عساكر بسنده عن طريق البيهقي عن الربيع بن سليمان والذهبي في السير ، بسنده عن الربيع قال : قال الشافعي : ( المحدثات من الأمور ضربان : ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو جماعا ، فهذه البدعة ضلالة ، وما أحدث لا خلاف فيه لواحد منها، فهذه محدثة غير مذمومة ، قد قال عمر في قيام رمضان : (نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن ، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى ) .
قال المبتدع : هذا تقسيم إمام معترف بفضله وعلمه وعدالته ، من عقدت على إمامته ألوية الزمان ، ودان لفقهه وفهمه أعلام هذا الدين في القديم والحديث.
وهذا التقسيم صريح في أن من البدع ما هو حسن مقبول في الشرع ، وما هو قبيح مردود .
والجواب على هذا الاستدلال من عدة أوجه :
الوجه الأول :
أن قول الشافعي رحمه الله عن البدعة المذمومة هي ما خالف السنة . وقوله عن المحدث المذموم ، بأنه ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً ، منطبق على سائر البدع في دين الله ، فليس هناك بدعة إلا وهي مخالفة للكتاب والسنة والآثار والإجماع ، وإلا لما كانت بدعة ، لأنه لو ثبت لها أصل من هذه الأصول لأصبحت عملاً مروعاً في دين الله .
وهذا ما يتفق عليه علماء المسلمين قديماً وحديثاً ، وما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : "ما صنع أمر على غير أمرنا فهو رد " . وعلى هذا الوجه لا حجة في كلام الشافعي لمحسن البدع ، بل الحجة عليه في كلام هذا الإمام .
الوجه الثـاني :
قول الشافعي رحمه الله أن ما وافق السنة فهو محمود ، وقوله : ما أحدث لا خلاف فيه لواحد من هذا يعني الكتاب والسنة والأثر والإجماع فهذه محدثة غير مذمومة ، قول فيه إجمال ، يحتاج إلى بيان : فإن كان مراده بالبدعة والمحدثة معناهما اللغوي فهذا المعنى مقبول ووارد ، وسياق الكلام يدل على أن هذا هو مراد الشافعي رحمه الله ، حيث وصف البدعة المذمومة شرعاً ، وبين معالمها ، ووضح مسالكها ، توضيحاً ستغرق سائر أنواع البدع ، ثم عطف بذكر البدع المحمودة ، مستدلاً عليها بحديث عمر رضي الله عنه وقد مر قبل قليل أن معنى الكلام إليه لتلائمه مع منزلته وعلمه ، ومكانته في هذا الدين .
وعلى هذا التوجيه نفسه يمكن حم لكلام الشافعي في قوله هذا ، لاسيما وقد سبق بيانه للبدعة المذمومة شرعاً ، وألحق في نهاية كلامه قول عمر رضي الله عنه، وإن كان مراده بقوله هذا معنى آخر غير المعنى اللغوي ، فهذا ما يأتي بيانه.
الوجه الثالث :
وهو أن يكون مراده رحمه الله الحوادث التي استجدت وليس عليها بأعيانها أدلة من الكتاب أو السنة أو الآثار أو الإجماع ، ولكنها تدخل تحت أصل من الدين ، وتنضوي تحت قاعدة من قواعده ، وهي ليست من العبادات المحضة .
فهذه الحوادث إذا كانت بهذه الصفة فهي محمودة من جهة الشرع ، ولا تسمى بدعاً في الدين ، وإن كانت تسمى بدعاً من جهة اللغة . وفي هذا الوجه تدخل المصالح المرسلة ، بناء على أنها لم تدخل أعيانها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة ، وإن كانت تلائم قواعد الشرع وهذا محمل آخر يمكن توجيه قول الشافعي إليه .
الوجه الرابع :
من الإنصاف ألا يحمل كلام هذا الإمام أكثر مما يحمل ، وألا ينظر إلى كلامه هذا معزولاً عن بقية مقولاته ، لا سيما إذا كان في بعض كلامه إجمال ، وفي بعضه الآخر تفصيل ، فإنه يجب حمل المجمل على المفصل ، وتقديم المبين على المبهم ، والمنطوق على المفهوم ، والعبارة على الإشارة ، ومن كلامه الذي يمكن ضمه إلى تعريفه هذا للدعة ، ما جاء في الرسالة حيث قال عن الاستحسان الذي يجنح إلى التعلق به كل محسن للبدعة : ( ... وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلا بالاستدلال إلى أن قال: ولا يقول بما استحسن ، فإن القول بما استحسن ، فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سبق ) .
وقال رحمه الله : ( ... وهذا يبين أن حراماً على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر، والخبر من الكتاب والسنة عين ، يتأخى معناها المجتهد ليصيبه ... ) .
وقال : ( وإنما الاستحسان تلذذ ) .
وقال : ( ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال هو غير عالم ، وكان القول لغير أهل العلم جائزاً ...
ولم يجعل الله لأحد بعد رسوله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله ، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وضعت من القياس عليها ..) .
وقال : ( وإنما الاستحسان تلذذ) .
وقال : ( ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال هو غير عالم ، وكان القول لغير أهل العلم جائزاً ... ولـم يجعل الله لأحد بعد رسوله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله ، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وضعت من القياس عليها ..)
فهل يمكن بعد كل هذا أن يقال بأن الشافعي يستحسن البدع ، ويمدحها ويثني عليها ، ويجيز التقرب بها إلى الله ؟ .
وهل يعقل أن يكون مراد الشافعي بقوله في تعريف البدعة ، تحسين المحدثات والحث على اعتناق ما تراه النفوس والعقول والأذواق حسناً ؟ .. إن المقارنة بين كلامه في تعريف البدعة وكلامه في ذم الاستحسان يوجب على العاقل معرفة قدر هذا الإمام، فلا يرمه بهذه الداهية الدهياء ، ولا ينسب إليه ما هو منه براء .
ذكر الذهبي في ترجمته عن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت محمد ابن داوود يقول : لم يلحظ في دهر الشافعي كله أن تكلم في شيء من الأهواء ولا نسب إليه ولا عرف به ، مع بغضه لأهل الكلام والبدع ) .
وذكر أن أحمد بن حنبل كان يقول : ( ما رأيت أحداً أتبع للأثر من الشافعي ) وذكر ابن الإمام سحنون قال : ( لم يكن في الشافعي بدعة ) ، ولو كان الشافعي ممن يستحسن البدع ، أو يجيز وقوع بعضها شرعاً ، لما استحق من هؤلاء الأئمة هذه الأوصاف ، ولنقل عنه ولو مرة واحدة، أنه وصف بدعة الدين بأنها حسنة محمود .
الوجه الخامس :
وضع الشافعي قواعد في أصول هذا الدين ، تدل الناظر فيها على عكس ما توهم المبتدع ، الذي يستشهد بما توهم من كلام الشافعي في تعريف البدعة ، على استحسان بعض المحدثات ، وهذا المحدثات وهذه القواعد تدل بجلاء على أن تعريف الشافعي للبدعة المحمودة ، لا بد أن يحمل على غير ما ذهب إليه المحسن للبدع . فمن هذه القواعد قوله عليه رحمه الله ( وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على التحريم ، حتى تأتي دلالة منه على أنه أراد به غير التحريم ) .
فإذا نظرت إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة " ، وقوله : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ، وجدت أن النهي هنا للتحريم ، ولم يرد نص واحد فيه دلالة على النهي ليس للتحريم ، بل النصوص متضافرة على هذا المعنى، فهل يقال بعد هذه القاعدة ، بأن الشافعي يرى تحسين ما حرمه الله ؟ معاذ الله .
ومن القواعد الأصولية التي قالها الشافعي رحمه الله : ( فكل كلام كان عاماً ظاهراً في سنة رسول الله على ظهوره وعمومه ، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله بأبي هو وأمي يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض ...) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " كل بدعة ضلالة " ، من العام الظاهر الذي لم يرد على الشـرع كله ، ما يدل ولا بمفهوم المخالفة على تخصيص شيء منه .
وهذه القاعدة تنقض ما استدل به المحسن للبدع من كلام الشافعي رحمه الله.
الوجه السادس :
لو افترض جدلاً أن الشافعي أراد بقوله في تعريف البدعة ما ذهب إليه المبتدع، فإنه كلام بشر لا يمكن أن يعارض به النصوص الشرعية ، لاسيما وقد قرر هذا الإمام المطلبي رحمه الله أنه : ( ... إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه ، لايقويه ولا يوهنه شيء غيره ، بل الفرض الذي على الناس إتباعه ، ولم يجعل الله لأحد معه أمراً يخالف أمره ) .
وقال رحمه الله فيما يرويه عنه الربيع بن سليمان : ( إذا وجدتم في كتابي خلال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا ما قلته ) .
وقال : ( كل ما قلت فكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي ما يصح ، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ) .
وقال : ( كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي ، وإن لم تسمعوه مني) .
وبمعنى هذا القول وهو من الكلام السائر في الآفاق قوله رحمه الله إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط .
وقال رحمه الله : كل مسألة تكلمت فيها وصح الخبر فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت ، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي ) .
ومن العلماء الذين يحتج المحسن للبدع بأقوالهم :
2- سلطان العلماء عز الدين بن عبدالسلام رحمه الله.
حيث قال في قواعد الأحكام : (البدعة هي فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى بدعة واجبة ، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة ، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة ...
والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشرعية ، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة ، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة ، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة ، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة ... ) . ثم ذكر بعد ذلك أمثلة لما ذكر . وهذا التعريف والتقسيم نقله واعتمد عليه كثير من الذين جاءوا بعد العز بن عبدالسلام منهم :
القرافي في الفروق حيث بسط الكلام في هذه المسألة ، شارحاً لرأي شيخه العز ، وتبع القوافي صاحب تهذيب الفروق وفعل مثلهما النووي في : تهذيب الأسماء واللغات والزركشي في : المنثور وابن حجر الهيثمي في : الفتاوى الحديثية والسيوطي في : الحاوي ، وفي الأمر بالاتباع والسخاوي في : فتح المغيث ومحمد بن جزي المالكي في : قوانين الأحكام الشرعية ، وغيرهم من القدماء والمحدثين ، مما يدل على اعتمادهم على التعريف والتقسيم الذي قاله العز بن عبد السلام .
الأول:
أن تعريفه للبدعة بأنه فعل ما لم يعهد في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على مراده في تقسيم البدعة ، والحادث الذي لم يعهد في عصره صلى الله عليه وسلم ـ كثيراً ، يشمل أمور الدين والدنيا ، والعبادات والمعاملات ، والمصنوعات والمخترعات ، والعلوم والأعراف ، والعادات وكل شيء جديد لم يكن معهوداً في عصره صلى الله عليه وسلم ، داخل تحت هذه القول ، ولكنه لا يكون بدعة شرعية ، إلا إذا اقترن به قصد التعبد ، وليس له أصل في الدين يدل على ذلك .
فهذا التعريف يشمل البدع الشرعية التي لا تكون إلا ضلالة ، ولا يتصور فيها التقسيم إلا بالكراهية والتحريم . ويشمل كذلك البدع اللغوية التي قد تكون مشروعة ، وقد تكون من المباحات، ولكنها تسمى بدعاً في اللفظ ، لكونها حادثة بعد أن لم تكن . وعلى ذلك فلا يصح الاحتجاج بهذا القول على أن البدعة الشرعية فيها ما هو حسن ...
الثاني:
تقسيم العز بن عبدالسلام للبدع إلى خمسة أقسام ، وإدخال كل قسم منها تحت حكم من الأحكام الشرعية الخمسة ، وتمثيله على ذلك يدل على أنه لم يفرق بين البدعة الشرعية التي لا تكون إلا مذمومة ، والبدعة اللغوية التي قد تكون مذمومة، وقد تكون محمودة ، وقد تكون مباحة .
وسبب ذلك أنه إنما نظر إلى العمل من حيث وجه الإحداث فيه ، وكونه أمراً مبتدأً ، وليس هذا هو مناط النهي عن البدع من الناحية الشرعية ، فلا مجال إذاً للاحتجاج بقوله على تحسين البدع .
الثالث:
من خلال أمثلة العز بن عبدالسلام ـ رحمه الله ـ لما أسماه بالبدع الواجبة والمندوبة والمباحة، نجد أن أكثرها مشروع أو مباح من قبل الشرع ، فلا يطلق عليه بدعة من ناحية شرعية إذ البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله صلى الله عليه وسلم : كل بدعة ضلالة " أما ما قام دليل على وجوبه، أو استحبابه ، أو إباحته فليس من هذا الباب ، ولا يصح إدخاله في مسمى البدعة ، إلا من ناحية لفظية وهذه الناحية لا خلاف فيها ، لأن كل جديد بدعة من حيث اللغة ، ولكن محل الكلام هنا هو في البدعة الشرعية التي حذر منها الشارع ونهى عنها ، وذمها السلف .
والخلط بين البدعة اللغوية والشرعية قد يؤدي إلى ضرر ولبس ، فيظن أن ما ليس ببدعة بدعة والعكس.
ولا يتميز حكم الشرع مع التباس التسميات ، ولهذا فإن السلف وهم يفتون في المسائل الحادثة بإيجاب أو استحباب أو إباحة ، ما كانوا يقولون هذه بدعة ، ولكنها واجبة أو مستحبة أو مباحة ، لاستقرار مصطلح البدعة الشرعية عندهم ، وثبات حكمها المتراوح بين التحريم والكراهية.
وكذلك في فتواهم في الأمور الحادثة ، مما يعد معصية شرعية تكون بالتحريم أو الكراهية ، مع تفريقهم بين ما هو معصية وما هو بدعة .
الرابع :
يظهر من خلال أمثلة العز بن عبد السلام أنه أدخ المصالح المرسلة في مسمى البدع ، بناء على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة ، وإن كانت تلائم قواعد الشرع .
فلكونها داخلة تحت قواعد الشرع ، حكم عليها بالوجوب أو الندب
أو الإباحة، ولكونها حادثة غير معهودة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم سماها بدعاً ، فيكون بذلك من القائلين بالمصالح المرسلة ، وهي ليست بدعاً
إلا في اللفظ .
فيكون الاحتجاج بقوله وتقسيمه على حسن البدع من الناحية الشرعية احتجاجاً في غير محل النـزاع .
الخامس: قول شيخ الإسلام :
( إن المحافظة على عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " كل بدعة ضلالة" متعين ، وأنه يجب العمل بعمومه ، وأن من أخذ يصنف البدع إلى حسن وقبيح ، ويجعل ذلك ذريعة أن لا يحتج بالبدعة على النهي ، فقد أخطأ كما يفعل طائفة من المتفقهة والمتكلمة والمتصوفة والمتعبدة ، إذا نهوا عن العبادات المبتدعة والكلام في التدين المبتدع ، أدعوا أن لا بدعة مكروهة إلا ما نهي عنه ، فيعود الحديث إلى أن يقال : " كل ما نهي عنه "، أو " كل ما حرم " ، أو " كل ما خالف نص النبوة فهو ضلالة" ، وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان ، بل كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة .
وما سمي "بدعة" وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم :
إما أن يقال : إن ما ثبت حسنه فليس من البدع في الدين وإن كان يسمى من حيث اللغة كما قال عمر: (نعمت البدعة هذه ) فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه .
وإما أن يقال : ما ثبت حسنه فهـو مخصوص من العموم ، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص ، فمن اعتقد أن بعض البدع من هذا العموم ، احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك العموم اللفظي المعنوي موجباً للنهي ، ثم إن المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً ...) .