ابحث فى المقالات






مفهوم العقيدة بين السلف وأهل الكلام

[1] - تعريف العقيدة :

العقد : نقيض الحل ، واعتقده كعقده ، وعقد العهد واليمين يعقدهما عقداً وعقّدهما أكّدهما { والذين عقدت أيمانكم } { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال الحطيئة :

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا              وإن عاهدوا أوفوا وإن عاقدوا شدُّوا

اعتقد الشيء : صَلُبَ واشتد ، وتعقد الإخاء : استحكم ، ثُمَّ صيّرُوا كل شيء يستوثق الرجل به لنفسه ويعتمد عليه عُقَدُه ، واعتقد كذا بقلبه .

وكلمة عقيدة لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن درج عليها علماء الأمة قديماً وحديثاً .

والعقيدة في الإسلام تقابل الشريعة : التي هي التكاليف العملية التي جاء بها الإسلام في العبادات والمعاملات .

والعقيدة : ليست أموراً عملية بل أمور علمية يجب على المسلم أن يعتقدها في قلبه .

أصول العقائد في حديث جبريل ( أن تؤمن بالله وملائكته ... ) .

أمور العقائد غيبة ( الرسل من عند الله وكذلك الكتب وهذا أمر غيبي ) .

الاعتقاد لابد أن يكون جازماً فإن كان غير ذلك فهو شك وريب .

تجيب العقيدة الإسلاميَّة على الأسئلة الكبرى في حياة الإنسان .

علم الكلام : ( علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحواله الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام ) التعريفات ص 185 :

( علم باحث عن أمور يعلم منها المعاد وما يتعلق به من الجَنَّة والنار ، والصراط والميزان والثواب والعقاب ) .

( وقيل : الكلام هو العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة عن الأدلة ) التعريفات ص 185 .

وقد عرفه ابن خلدون في مقدمته جـ2 ص 821 بقوله : ( علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقليَّة والرد على المبتدعة في الاعتقاد في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة ) .

ومع أنه أجاز الدفاع عن العقائد الدينية بواسطة الأدلة العقلية إلاَّ أنه ذكر قصور العقل عن إدراك كل شيء والإحاطة المفصلة على كل أمر ، وفي ذلك يقول - رحمه الله - : ( ولاتثق بما يزعم لك الفكرُ من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها ، والوقوف على تفاصيل الوجود كله وسفّه رأيه في ذلك ... لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثه وخلق الله أكبر من خلق الناس والحصر مجهول والوجود أوسع نظاماً من ذلك والله من ورائهم محيط فاتهم إدراكك ومُدركاتك في الحصر واتبع ما أمرك به الشارع به في اعتقادك وعملك فهو أحرص على سعادتك واعلم بما ينفعك ... وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح ، فأحكامه يقينية لا كذب فيها .

غير أنك لاتطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة ، وحقائق الصفات الإلهية وكلّ ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال ، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال ، وهذا لايدرك على أن الميزات في أحكامه غير صادق ، لكن للعقل حد يقف عنده ولايتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته ، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه ، وتفطن من هذا الغلط من يقوم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا ، وقصور فهمه وأضمحلال رأيه .



الفرق بين منهج القرآن والسنة والفلسفة وعلم الكلام :

المواضيع التي يشترك في بحثها أهل السنة والمتكلمون هي في أمور الاعتقاد فلاتخلو سأله من مسائل العقيدة من تقرير هؤلاء وخوض أولئك ، بيد أن هناك موضوعاً أساسياً يزعم الفلاسفة أنهم يهدفون في دراساتهم إلى تحقيق وهو : ( معرفة أصل الوجود وغايته ومعرفة السبيل الذي يحقق السعادة للإنسان عاجلاً وآجلاً ، هذا هو موضوع علم الفلسفة والكلام ، وكذلك هو موضوع الدين وعلى الرغم من اشتراكهما في مجالات البحث إلاَّ أنهما يفترقان .

مواقف أهل السنة من علم الكلام ص 100 .

ويختلف الدين عن الفلسفة وعلم الكلام في :

1 - المصادر والمنابع .

2 - في المناهج والسبل .

3 - في قوة التأثير والسيطرة .

4 - في الأسلوب .

5 - طريقة الاستدلال .

6 - في الثمرة والنتيجة .

1) - المصادر والمنابع :

الفلسفة التي هي أصل علم الكلام في كل صورها ( عمل إنساني ) يتهكم فيه كل ما فيه طبيعة الإنسان من :

قيود وحدود ، ونقص ، وقابلية للتغير والتحول والتقلب ، ولذا فإن أساطين الفلسفة لم يستطيعوا أن يتخلصوا من التأثير بالبيئة كأفلاطون لم يستطع أن يتخلى عن تأثره بالأسطورة والوثنية اليونانية ، يقول العقاد في كتابه ( الله ) ص 129 : ( غلبت البيئة الوثنية أفلاطون على تفكير ، يحكم العادة وتواتر المحسوسات ، فأدخل في عقيدة أرباباً وأنصاف أرباب لا محل لها في ديانات التوحيد ) .

قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة 1/157 : ( وأمَّا المنطق فلو كان علماً صحيحاً كان غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ونحوها فكيف وباطلة أضعافاً حقه وقيادة وتناقض أصوله واختلاف مبانيه توجب مراعاتها للذهن أن يزيغ في فكر ولايؤمن بهذا إلاَّ من عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه للعقل الصريح ) .

وقد أخذ علماء الكلام من الفلاسفة طريقة تفكيرهم ووسائل استدلالهم ومصطلحات كلامهم وألفاظ منطقهم ونقلوها إلى الإسلام ظناً منهم أنهم بذلك يحسنون صنعاً بالتوفيق بين العقل والنقل كما يزعمون وهو في حقيقته تلفيق بين جهد بشري وقعت عليه التأثيرات والعوارض البشرية وبين العلم الحق الذي أنزله الحق تعالى .

أمَّا مصدر عقيدة السلف فهو كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي قال عنها المصطفى في الحديث الطويل الذي رواه العرباض بن سارية : ( قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها ونهارها لايرجع عنها إلاَّ هالك ومن يعيش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم ... ) اللالكي 1/74 وهو عند أبي داود والترمذي حسن صحيح والدارمي والآجري .

وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنَّما هما اثنان الكلام والهدى فأحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدى هدي محمد ، ألا وإياكم ومحدثات الأمور وإن شر الأمور محدثاتها وإن كل محدثة بدعة ، ألا لايطول عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم ) اللالكائي 1/77 ، ابن ماجه ، ابن أبي عاصم في السنة ، وفيه رجل من ورجاله رجال مسلم ولكنه يشهد له ما قبله كما قال الألباني .

فكما أن الفلسفة وعلم الكلام مصدرها ومنبعها إنساني بشري فإن العقيدة التي أنزلها الله لنا في كتابه وبينها لنا رسوله صلى الله عليه وسلم مصدرها إلهي رباني .

قال ابن الوزير في خطبة كتابه ترجيح أساليب القرآن ص 7 : ( الحمد لله الذي جمع بالقرآن العظيم لأهل الإسلام بين أجمع العلوم وأوضحها في الأفهام وأفضل الأعمال وأيسرها على الموفقين من الأنام ، حيث أربى لما أودعه من البراهين العظام على قني المنطق والكلام لما فيه من النفع العام للخواص والعوام ولسلامته مِمَّا اشتملا عليه - أي المنطق والكلام - في الجليات من فضلات الكلام ، والتعب الكثير في مجرد فهم عبارات الفلاسفة الطغام ، وفي الخفيات من التعمق والأوهام والمشيء وراء الفلاسفة والمبتدعة في مداحض الأقدام ، ولأمر ما فضل الله المهرة من حامليه على جميع الأولياء الأعلام حيث رفعهم إلى مرتبة السفرة الكرام ... وجعل التفاوت فيما بينه وبين سائر الكلام كالتفاوت فيما بين الرب جل جلاله وسائر الأنام ) .

ويقول سيد ( خصائص ص 43 ، 44 ) : ( الربانية أول خصائص التصور الإسلامي ومصدر هذه الخصائص كذلك ... فهو تصور اعتقادي موحى به من الله سبحانه ومحصور في هذا المصدر لايستمد من غيره ، وذلك تمييزاً له عن التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول حقيقة الألوهية أو الحقيقة الكونية أو الحقيقة الإنسانية وتمييزاً له كذلك من المعتقدات الوثنية التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية .

... ومفرق الطريق بين التصور الفلسفي والتصور الاعتقادي بصفة عامة أن التصور الفلسفي والتصور الاعتقادي بصفة عامة أن التصور الفلسفي ينشأ في الفكر البشري - من صنع هذا الفكر - لمحاولة تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به ولكنه يبقى في حدود المعرفة الفكرية الباردة ، فأمَّا التصور الاعتقادي في عمومه فهو ينبثق في الضمير ويتفاعل مع المشاعر ويتلبس بالحياة ... وهو تصور رباني صادر من الله للإنسان وليس من صنع الإنسان ... تتلقاه الكينونة الإنسانية بجملتها من بارئها وليست الكينونة الإنسانية هي التي تنشئة كما تنشيء التصور الوثني أو التصور الفلسفي { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا } .

ولهذا تمسك السلف الصالح بهذا النور وهذا الهدى وفي ذلك يقول ابن مسعود - رضي الله عنه - : ( إنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبرع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالعتيق ) اللالكائي 1/87 ، الدارمي ، وابن وضاح .

وقال حذيفة في البخاري : ( اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من قبلكم فو الله لئن سيتم ، وفي لفظ : لئن استقممتم - لقد سيقتم سبعاً بعيداً وإن تركتموه يميناً وشمالاً تعد ضللتم ضلالاً بعيداً ) .

وقال ابن المبارك : ( وجدت الأمر الاتباع ) اللالكائي ص 88 .

وقال عمر بن عبدالعزيز : ( سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولادة الأمر بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله عزّوجل واستكمال لطاعته وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولاتبديلها ولا النظر في رأي من خالفها فمن اقتدى بما سنّوا اهتدى ومن استبصر بها بصر ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله عزّوجل ما تولاه وأصلاه جهنم وساءت مصيراً ) اللالكائي 1/94 للآجري في الشريعة ، والخطيب في الفقيه والمتفقه .

وعن الزهري قال : ( كان من مضى من علمائنا يقول الاعتصام بالسنة نجاة ) اللالكائي 94 ، ابن المبارك في الزهد .

وقال شيخ الإسلام 2/1 : ( قاعدة أولية : أن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا هو الإيمان بالله ورسوله ، وعند الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحي الله إليه ) .

[2] - المناهج والسبل :

راجع الفتاوى 2/1 - 25 : يختلف المنهج الفلسفي عن المنهج الإسلامي في خط سير كل منهما بداية ونهاية فالفلاسفة كثير منهم يبدأون بدراسة النفس الإنسانية وتجعلونها الأصل الذي ينفون عليه ويفرعون عنه فتكلموا في إدراكهم للعلم ، وأنه تارة يكون بالحس وتارة بالعقل وتارة بهما وجعلوا العلوم الحسية والبدهية ونحوها هي الأصل الذي لايحصل علم إلاَّ بها ثُمَّ زعموا أنهم إنَّما يدركون بذلك الأمور القريبة منهم من الأمور الطبيعية والحسابية والأخلاق وهذه الثلاثة عندهم هي الأصول التي يبنون عليها سائر العلوم ، ولهذا يمثلون في أصول علم الكلام بأن الواحد نصف الاثنين وأن الجسم لايكون بمكانين وأن الضدين لايجتمعان ... وتجد المصنفين في الكلام يبدأون بمقدماته في الكلام في النظر والعلم والدليل ، ثُمَّ ينتقلون إلى حدوث العالم وإثبات محدثة والغاية التي يرمون إليها حين يتكلمون عن التوحيد إنَّما هي إثبات وحدانية الخالق ( الربوبية ) ويظنون أن هذا هو المراد بلا إله إلاَّ الله .

وأمَّا المنهج القرآني فإنه يجعل فاتحة دعوته ودعوة الرسل جميعاً الدعوة إلى عبادة الله وحده { وما أرسلنا من قبلك من رسول الله إلاَّ نوحي إليه أنه لا إله إلاَّ أنا فاعبدون } ، وكل رسول يطالب قومه في أول الأمر بأن { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } .

وأصل العلم عند أهل القرآن والسنة العلم بالله لا الحس ولا البدهيات فالله هو الأصل الجامع وبه أصل كل علم وجامعة وذكره أصل كل ذكر وجامعة والعمل له أصل كل عمل وجامعة ، يقول ابن أبي حاتم : ( عرفنا كل شيء بالله).

وسئل ابن عباس بم عرفت ربك قال : ( من طلب دينه بالقياس لم يزل دهر في التباس ظاعناً في الاعوجاج زائفاً عن المنهاج أعرفه بما عرف به نفسه وأصفه بما وصف به نفسه ) .

وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين أرسله إلى اليمن دليل على أصل العلم والمنهج والسبيل لمعرفة الله تبارك وتعالى ، وقد ابتدأ البخاري كتابه بأصل العالم والإيمان بدء نزول الوحي فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على رسول الله أولاً ثُمَّ أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء به ثُمَّ بكتاب العلم الذي هو معرفة ماجاء به فرتبه الترتيب الحقيقي الذي يدل على علمه وحكمته رحمه الله .

وكما أن نقطة البداية الدعوة إلى عبادة الله في المنهاج القرآني فإن من نقطة النهاية هي كذلك ، ولذلك يسأل الله الناس عن هذا { كلما ألقي فيها فوج سألها ... } .

أمَّا مجرد الإقرار ومعرفة توحيد الربوبية التي هي غاية المتكلمة فهي جزئية من المنهج القرآني الذي لايكفي بمجرد الإقرار { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض } .

[3] - قوة التأثير :

تمتاز العقيدة المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله بسلطانها على النفوس وسيطرتها على الحياة والمشاعر والأفكار .

وليست للفلسفة أن تطمح إلى نيل هذه الميزة والسبب أنها تبحث عن المعرفة فقط وهي قناعة عقلية بحتة وحين تبحث عن الحقيقة كما يزعم أصحابها فإنها على قدر طاقة البشر تصل .

فهناك فارق كبير بن حقيقة الإيمان وحقيقة المعرفة المجردة ، فالإنسان قد يدرك معنى الجوع والعطش وهو غير محس بآلامها وقد يفهم معنى الحب والشوق وليس من أهلها ، وقد يعرف لفلان فضله من عقل أو حزم أو أدب أو خلق ولكن لايشعر نحوه بأي عاطفة ولا رابطة ولا مودة .

وهذه هي المعرفة التي يُمكن أن يهدينا إليها الحس أو البراهين العقليَّة أو الفكر .

أمَّا الإيمان فهو معرفة وإيقان تتجاوب أصداؤها في أعماق الضمير وتختلط لذتها بشغاف القلوب تحسب النفس يبرد اليقين والإيمان يحول الفكرة قوة دافعه فعّالة خلافة مؤثرة .

فمطالب الفلسفة والكلام والمنطق فكرة جافة ترتسم في صورة جامدة ومطالب الدين روح وثَّابة وقوة محركة وغاية الفلسفة نظرية وغاية الدين حملين ، يقول سيد في الخصائص ص 150 : ( إن هذه الإيجابية في علاقة الله سبحانه بخلائقه كلها هي مفرق الطريق بين العقيدة الجديد المؤثرة والعقيدة الصورية السلبية ) .

وص 156 : ( والصفحة الأخرى للإيجابية في التصور الإسلامي هي إيجابية الإنسان في الكون وإيجابية المؤمن بهذه العقيدة في واقع الحياة على وجه خاص ) .

[4] - الأسلوب :

الأسلوب القرآني هو الذي صاغ هذه العقيدة بتلك الطريقة المؤثرة ، وبتلك الحيوية الفعالة في هذه الحياة ، وهو الذي أوجد الإيجابية الإنسانية في الكون ، يقول سيد في الخصائص ص 16 : ( والعقيدة الإسلاميَّة تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص وهو أسلوب يمتاز بالحيوة والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء كما يمتاز بمخاطبة الكينوز الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذة المعرفة فيها ولايخاطب الفكر وحده في الكائن البشري .

أم الفلسفة فلها أسلوب آخر إذ تحاول أن تحصر الحقيقة في العبارة وتنتهي حتماً إلى التعقيد والتخليط الجحاف كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة ) ا هـ .

أمَّا مسلك القرآن فهو متسم بالبساطة والوضوح ، إذ يجعل إدراك العقيدة أمراً سهلاً ميسوراً ميسراً لكافة الناس على حسب طاقاتهم وقدراتهم بخلاف تلك الأساليب الكلامية المعقدة المليئة بالمصطلحات والتعابير والتراكيب المعقدة { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } ، { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

[5] - طريقة الاستدلال :

يستدل القرآن في كل قضاياه الاعتقادية بما لايتعارض مع النفس البشرية ولا مع الفطرة الخلقية التي فطر الله الناس عليها ، فيستدل بالآيات الكونية المشاهدة على وحدانية الخالق { إن في خلق السموات والأرض ... } ، ويستدل بالآيات في النفس وفي إيجادها كما حدث لجبير بن مطعم رضي الله عنه تعالى : { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } .

قال : ( كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي ) البخاري ولفظ أحمد ( فكأنما صُدع قلبي حين سمعت القرآن ) .

وكما استدل القرآن بهذا فقد استدل بأدلة عقلية غاية في الوضوح موصلة إلى المقصود بسهولة ولين ، فالقرآن جاء بالأدلة العقليَّة التي يُحتاج إليها في العلم بالله ووحدانيته ما لايقدر أحد من المتكلمة على مثله ولا نصيفه ونهاية ما يذكره المتكلمون جاء به القرآن على أحسن وجه وبأوجز عبارة كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله { ولقد ضربنا في هذا القرآن للناس من كل مثل } .

بل وأقر جميع أهل الملّة بمختلف طوائفها أن القرآن أساسٌ لاستنباط الأدلة العقليَّة ، كما قرر ذلك ابن الوزير رحمه الله في ترجيح أساليب القرآن ص 17 وما بعدها .

أمَّا طرق استدلال المتكلمة فكما قال شيخ الإسلام 4/50 : ( أنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول وجزماً بالقول في موضع وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر ، وهذا دليل عدم اليقين ... ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبدالعزيز أو غيره - : (( من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل )) ، وأمَّا أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله اعتقاده بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن ، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ونحوهم وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة ......... رحمه الله يقول : ( لاتغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء ) .

ومِمَّا يلاحظ على أساليب المتكلمة أنهم يلزمهم منها لوازم باطلة بل يلزم بعضهم رداً الحق الثابت في الشرع وخلاصة طريقتهم أنها كما قال شيخ الإسلام : ( طويلة بعيدة توصل إلى نوع المقصود وطريقة القرآن والسنة قصيرة قريبة توصل إلى عين المقصود ) .

[6] - الثمرة والنتيجة :

من ثمرات القرآن والسنة أنها تعطي الإنسان إيماناً مفصلاً كما قال جندب بن عبد الله ( تعلمنا الإيمان ثُمَّ تعلمنا القرآن فازدادوا إيماناً ) أمَّا طريقة المتكلمين فإن غاية ما عندهم إيمان مجمل لايعطي علماً وافياً ولا تصوراً واضحاً وقد مرّ بنا سابقاً ما يحدثه الإيمان في حياة الفرد وحياة المجتمعات .

وأمَّا علم الكلام وما يُمكن أن يوصل إليه من نتائج فإن ذلك يتجلى في اعترافات كثيرٌ من العلماء الذين تحسروا على فوات أعمارهم في علم الكلام ، كما قال الرازي في كتابه أقسام اللذات :

نهاية إقدام العقول عقال            وغاية سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا         وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا             سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

ثُمَّ قال : ( لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ) .

وهذا الجويني وهو من الجهابذة الذين اشتغلوا بعلم الكلام يقول محذراً من الاشتغال به ( يا أصحابنا لاتشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به ) .

ويقول عند موته رحمه الله : ( لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه والآن إن لم يتداركني الله برحمته فالويل لابن الجويني ، وها أنذا أموت على عقيدة أمي أو قال على عقيدة العجائز ) .

وهذا أبو الحسن الأشعري بعد أن نشأ معتزلياً وبقي على ذلك 40 عاماً رجع وأعلن توثيقه وصرح بضلال المعتزلة وانبرى للرد عليهم .

يقول شيخ الإسلام في نقض المنطق : ( جميع ما يأمر به المنطق من العلوم والأخلاق لاتكفي في النجاة من عذاب الله ولاتحصّل نعيم الآخرة ) .

وقد عقد أحمد أمين مقارنة بين صاحب الرأي وصاحب العقيدة وأثر كل منهما في الحياة فقال في كتابه فيض الخاطر كما نقل ذلك القرضاوي في كتابه الإيمان والحياة ص 22 : ( فرق كبير بين أن ترى الرأي وأن تعتقده : إذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك ، وإذا اعتقدته جرى في دمك وسرى في مخ عظامك وتغلغل في أعماق قلبك ذو الرأي فيلسوف يقول : إني أرى صواباً ما قد يكون في الواقع باطلاً ، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم وقد تقوم الأدلة على عكسه عذاً وقد أكون مخطئاً فيه وقد أكون مصيباً .

أمَّا ذو العقيدة فجازم بات ، لاشك عنده ولا ظن عقيدته هي الحق لا محالة وهي الحق غداً ، خرجت عن أن تكون مجالاً للدليل وسمت عن الشكوك والظنون ذو الراي فاتر أو باردة ، إن تحقق ما رأى ابتسم ابتسامة هادئة رزينة ، وإن لم يتحقق ما رأى فلابأس .

وذو العقيدة حار متحمس لايهدأ إلاَّ إذا حقق عقيدته .

ذو الرأي سهل أن يتحول وأن يتحوّر ، هو عند الدليل أو عند المصلحة تظهر في شكل دليل ، أمَّا ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله : ( لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أدع هذا الذين جئت به ما تركته .

الرأي جثة هامدة لا حياة لها ما لم تنفخ فيها العقيدة من روحها والرأي كهف مظلم لاينير حتى تُلقى عليه العقيدة أشعتها والرأي مستنقع رابض يبيض فوقه البعوض والعقيدة بحرز آخر لايسمح للهوام الوضعية أن تتوالد على سطحه .

الرأي يخلق المصاعب ويضاعف العقبات ويصغي لأماني الجسد ويثير الشبهات ويبعث على التردد والعقيدة تقتحم الأخطار وتزلزل الجبال وتغيّر التاريخ وتنسف الشك والتردد وتبعث الحزم واليقين ولاتسمح إلاَّ لمراد ا لروح ) .

منهج العقيدة عند السلف :

1 - كل علم يُمكن أن يوصل إلى معرفة الله يستخدم في العقيدة فلم يوجد هذا الفصل إلاَّ في المناهج الدراسية ولكنه تحول عند البعض إلى انفصام .

2 - العقيدة لاتقتصر على ما يدرس في مناهج التدريس بل هي ممتدة إلى شتى مناشط الحياة وأعمال الإنسان الأخلاق الحكم العلاقات .

3 - العقيدة ليست بالحدود والردود بل هي منهج تربية وتطبيق التأثر بالأسماء والصفات لله عزّوجل الإرجاء الفعلي الخلق من الإيمان .

مسائل تحتاج إلى مناقشة واستشارة :

1 - مسألة أسباب وقوع البدعة من المبتدعة :

أ - الجهل بأدوات الفهم ، لغة العرب وأساليبها .

ب - الجهل بالمقاصد .

جـ - تحسين الظن بالعقل ، العقل والنقل إذا تعارضا .

د - إتباع الهوى .

2 - أحكام الاجتهاد والتقليد من حيث ما يصح فيه الاجتهاد وما لايصح ومن هو الذي يقبل اجتهاد وما حكم التقليد ؟ .