ابحث فى المقالات






السخرية لمقام الألوهية في الأدب الحداثي

المظهر السابع من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية : السخرية والتدنيس والاستخفاف بالله - جَلَّ وَعَلاَ - وألوهيته - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - :

وهو جب عفن خاضوا في قعره وماضوا ، واسترسلوا مع نجاسته وشربوا منه حتى تضلعوا ، وسوف يأتي مزيد بحث في الفصل الثالث المتعلق بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، وهنا نعرض شواهد انحرافهم في السخرية من الله تعالى ومن ألوهيته ، والاستخفاف به - جَلَّ وَعَلاَ - :

يتحدث أدونيس مخاطباً المسلمين “ سيول الرمل ” و “ تاريخ الطين ” حسب وصفه لهم جاعلاً عبادتهم عباءات مقصبة بأطراف إله ميت ، يقصد به الله - عَزَّوَجَلَّ - ، ويسمى كلماته تعالى رملاً، والرمل عنده وعند الخال وعند أتباعهم من أغلمة الحداثة رمز للتخلف والرجعية ، قال أدونيس :

 ( أنتم يا سيولاً من الرمل ، تاريخاً يتتوج بالطين

اصغوا إلى أنين يصعد باسم الطفولة :

لمن العباءات المقصبة بأطراف إله ميت ؟ الكلمات

رمل ، ولا طفولة في ملامح التراب ) .

ويردد المعنى نفسه في قوله :

( فاستسلمي للرعب والفجيعة

يا أرضنا يا زوجة الإله والطغاة

واستسلمي للنار ) .

وانظر شرحه لمعنى الطغاة وأن المراد بها الله تعالى في كتاب الثابت والمتحول .

ونحو النص السابق قوله :

( فأنت يا سماءنا المضيئة

يا زوجة السلطان والإله

بريئة من دمنا بريئة ) .

ويخاطب مهيار ، وهو رمز يشير به إلى نفسه ، وقناع يتخذه للدلالة على فكرته وعلى جذوره الباطنية وتطلعاته الشرق أوسطية المرتبطة بالغرب ، فيقول :

( يكفيك أن تعيش في المتاه

منهزماً أخرس كالمسمار

لن تلمح الله على الجباه

يكفيك يا مهيار

أن تكتم السر الذي محاه ) .

ويقول :

( آه كم صليت للرب الحرون ) .

ويقول عن الله تعالى :

( للإله الذي يتمزق

في خطواتي

أنا مهيار هذا الرجيم ) .



وفي معرض ذكره لخططه الحداثية المعتمدة على حرب الدين والثورة على تاريخ المسلمين “ حضارة النخيل ” كما يرمز أدونيس ، وحرق كل ذلك بالصاعقة الحداثية التي سوف تربط بين أجفانهم وطريق التقدم والرقي حسب ظنونه الإلحادية الفاسدة ، يقول :

( ... انا غداً نهز جذوع النخيل

وغداً نغسل الإله الهزيل

بدم الصاعقة

ونمد الخيوط الرفيعة

بين أجفاننا والطريق ) .

وليس لدى المسلمين إله سوى الله تعالى ، ويسميه أدونيس الإله الهزيل ويقول بأنه سوف يغسله بدم الصاعقة وهي عبارات تفصح عن نفسها وعن معتقد صاحبها .

ومثلها قوله :

( نحن جيل الحوار الطويل

بين أنقاضنا والإله ) .

ويقول عن الله - جَلَّ شَأْنـُهُ وَتَقَدَّسَ اسْمُهُ - :

( تهدجي كالصوت

غامرة كالله أو جامحة كالموت ) .

ويصب الطائفي حقده على الإسلام وأهله في مقطع “ رحيل في مدائن الغزالي ” .

ومدن الغزالي تساوي الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة ، وتعني - عند أدونيس - كل ماض عربي مسلم يحتمل أن يعيش في الحاضر ، ويعود بأمجاده وحضارته ليدفن آبار الطائفية النصيرية وأشباهها .

ويربط أدونيس مدينة الغزالي ويعني بها الإسلام ، يربطها بالتخلف والغرق والجرار والرمال ، ثم يتعدى على الله تعالى فيجعل الإيمان به والتأليه له سبباً في التخلف ، قال أهلكه الله :

( قافلة كالناي والنخيل

مراكب تغرق في بحيرة الأجفان

- قافلة - مذنب طويل

من جحر الأحزان

أهاتها جرار

مملوة بالله والرمال

هذا هو الغزالي ) .

ثم يجتريء على القرآن العظيم ويتهكم باللسان العربي ويقرن ذلك كله بالغبار رمز التخلف :

( يبتديء السقوط في مدائن الغزالي

يستنزل الفرقان واللسان

وتعلق الحياة بالغبار - في مدائن الغزالي

شرارة ليس لها مكان ) .

ويعتبر التدين والتعبد لله تعالى والإلتزام بشريعته التي أتى بها الرسول e ونشرها ورثته علماء الملة ومنهم الغزالي رحمه الله ، يعتبر ذلك سقوطاً ويكرر مرة أخرى :

( يبتديء السقوط في مدائن الغزالي

يختلج الشارع كالسنارة

والزمن الرابض مثل خنجر

يغوص تحت العنق

والمنارة

ستارة سوداء ) .

سقوط وستارة وزمن رابض ، كلها ألفاظ تؤدي معنى التخلف والجمود والرجعية ، ثم يجعل المنارة رمز التعبد والصلاة يجعلها ستارة سوداء ؛ لأنها - حسب عقيدته الإلحادية - تنم عن تخلف وظلامية ، أمّا فينيق الذي يتعبد له ويستجديه ، وعشتار التي يمتدحها فإنها عنده حسب حسه الوثني الهابط رموزاً للتقدم والإزدهار والإنسانية !! .

وعلى كل حال فالمقطع مليء بالشتائم المرموزة والمباشرة والتهكم الصريح والمخادع ، فالمسلمون عنده موتى لاعتناقهم الإسلام ، وحياتهم ودروبهم ملح لا حياة فيها ولا أمل ، وكتابهم القرآن الكريم كتاب ميت لا نور فيه ولا ضياء وإنّما رقص وصافنات ، وذلك في قوله :

( ويدخل الموتى ويخرجون

من نصف أخضر - في مدائن الغزالي

يأتون في كلام

يئن في دروب كالملح ، في كتاب

يموتُ ، دفتاه

رقص وصافنات

ويدخل الموتى ويخرجون ) .

ويستمر في هذا الكلام المأفون يحاول تدمير كل شيء عند المسلمين ، عقيدتهم في الله رباً وإلهاً ، وفي النبي e رسولاً ، وفي القرآن دستوراً ، وفي الوحي والغيبيات كالإسراء والمعراج وبعض أمور الآخرة يسوقها على شكل أسطورة ، ويمتدح فكرته وعقيدته ومطاياه الحداثية من تلاميذه وأتباعه .

وهذا المقطع صورة موسعة للموقف الحداثي من الإسلام وأهله وحضارته وتاريخه ، صورة مليئة بالحقد والضغينة وإرادة الاستئصال ، وحقيقة ماثلة مشاهدة على مدى خطورة هذه الأفكار ، التي اتخذت شكل التحديث ، واضمرت الهدم والإفساد ، ونشر الوثنية والإلحاد والخرافة المعاصرة .

ثم يأتي متبجح يقول بأن الحداثة فن وأفكار حديثة ، وأشكال جمالية رائعة ، وتراكيب سلمت من تخثرات الأسلاف .

ومن ازدواجية المعايير عند بعض المسلمين ما نقرؤه لأحد كتابهم ، فبعد أن أورد مطلع المقطع الذي يقول فيه أدونيس :

( آهاتها جرار

مملوء بالله والرمال ) .

قال : ( تأسرني إلى أبعد حد هذه الغنائية الفكرية في أول مرحلة مـ،  مراحل درامية هذه القصيدة ، وأنا أتصور هذه القافلة بدموعها ولاتنس دلالة الناي والنخيل ) .

فإذا كان هذا المسلم العارف بفساد هذه الأقوال تأسره هذه الغنائية الفكرية ، فما بالك بمسلم جاهل ارتضع حب الحداثيين ونشز فكره على شبهاتهم وإلحادياتهم ؟ ! .

ولقد قرر هذا الكاتب : ( أن القاريء “ المتلقي ” شريك الأديب في ارتياد الرؤيا إذا بدأ معه من أول تصوره ) ، فما حال من تأسره الغنائية الفكرية ؟ ! .

وليته قصر استئساره لأدونيس على ما يسميه الغنائية ، ولكنه أضاف إليها الاستئسار الفكري ، وهذا هو أبشع وأخطر ما يحذّر منه ويعاديه من تحمر أعراقهم وتثور وتثأر لكرامة عقيدتهم ، وهو الرجاء الذي طرحه هذا الكاتب في سياق دراسته لانحرافات أدونيس .

ولنا أن نسأل هذا الكاتب هل إذعانه لهذه الكلمات التي يسميها غنائية فكرية هو من ضمن السند المظلم الذي أشار إليه في قوله : ( وتنظير أدب الحداثة دخل إلى معاقلنا في جزيرة العرب بإسناد مظلم لايسرُّ ) .

فمال هذا الرجل إذا احمرت دماء العزة الإيمانية وثارت في أعراق أهل العقيدة يقف في الصف المقابل يداجيهم ؟ ويذم المؤمنين الغيورين على دينهم وأمتهم ، ويسميهم ( البله الذين يجعلون الحداثة ناقضة للإيمان ) ، ويصفهم بـ ( الكهول - المهدفون أهداف النواعير ) و ( تخثر التراثي ) ، ويدافع عن البياتي ونازك قائلاً : ( لم يتعمد هؤلاء جرح عقيدة أمتهم ) ، وهي تزكية ومدافعة باهتة عن ماركسي يقول :

( يغني عمر الخيام يا أخت

حقول الزيت واللهُ

يغني طفله الصلوب في مزرعة الشاة ) .  

ويقول :

( على أبواب طهران رأيناه

يغني الشمس في الليل

يغني الموت ، واللهُ

على جبهته جرح عميق فاغر فاه ) .

ويقول :

( أتخطى الوضع البشري

أدور وحيداً حول الله وحول منازله في الأرض ) .

ويقول : ( موسيقي أعمى ينزف فوق الأوتار دماً ، يرفع مثلي يده في صمت فراغ الأشياء ، ويبحث عن شيء ضاع ، يدور وحيداً حول الله ، بصوت فمي أو فمه يصرخ : من منا خان الآخر؟)، وأقواله من هذا الضرب الخبيث كثيرة مضى بعضها وسوف يأتي بعضها الآخر في الفصول القادمة .

ولطالما حارب الحداثيون أهل الإسلام ودعاته ، بسبب وقوفهم أمام تيار التبعية والتغريب ومحاولات نشر سموم الإلحاد بين المسلمين .

تقرأ لأحد منظريهم وهو يحارب دعاة الإسلام فيقول : ( ... حين يتأمل المرء سلوك الجماعات الإسلامية التي تكاثرت في القعدين الأخيرين ، وحين يقرأ دعوتها التي تستقي أصولها من خطاب سيد قطب مع هزال ثقافي وغلو في التزمت ... ويكفي أن نشير إلى أن المدجنة الحقيقة التي تفرخ هذه الجماعات هي الأنظمة العسكرية والمستبدة ، فهذه الأنظمة التي خنقت روح الشعب وأغرقته بالشعارات والرعب ، وفاقمت مشكلته بالتبعية والنهب هي التي تدفع هذه الأجيال الممزقة والمهشمة إلى حلول طوباوية وردود فعل يائسة ، وحين يخير إنسان مقموع ومنهوب بين إله أرضي يقمه وينهبه ويفرض عليه فوق ذلك عبادته ، وبين إله ديني يعده بالخلاص والمثوبة ، فإن من الطبيعي أن يفر من زنازين الأرض إلى فضاء السموات ) .

وقد أرغم الله آناف أهل العلمنة والحداثة بظهور الصحوة الإسلامية وبشائر انتشارها في كل بلاد المسلمين ، وبوادر اشتداد عودها ، وقد علل هذا الكاتب العلماني ظهورها بأسباب قد تكون صحيحة ولكنه بعماوة الفكر المادي لايوقن أن الله تعالى هو الذي تولى أمرها وسيحفظها حتى تكون منار خير وهدى ورشاد .

والذي يهمنا في هذا المقام وصفه المليء بالاستخفاف لعودة الناس إلى ربهم ودينهم وشريعة إلههم وعقديتهم الإسلامية ، وتعليله المادي أن ذلك جاء من قبل يأس الناس من حكوماتهم وحكامهم وليس من قبل اليقين الإيماني والدليل البرهاني والحاجة الفطرية ، وهكذا تكون مغالطات الماديين الدهريين .

ومن أمثلة انحرافاتهم في هذا الباب قول النصراني اللبناني أنسي الحاج :

( كل حب يا خيالة السقوط في الأعمال ، كل حب

هو الموت حتى آخره

وما أمسكه فيك ليس إلاّ جسدك

بل قلب الله

أعصره وأعصره

ليخدر قليلاً صراخُ نشوته الخاطفة

آلام مذبحتي الأبدية ) .

وفي مجلة الناقد أيضاً وهي مجلة حداثية تترسم خطوات يوسف الخال ومجموعة “ شعر ” الهالكة جاء فيها قصيدة حداثية لنزار قباني مليئة بالسخرية والاستخفاف بالله تعالى بدءاً من عنوانها “ أصهار الله ” ، ومما قاله فيها :

( هل أنت قد أمرتهم

أن يخربوا هذا البلد ؟

ويسحقونا كالصراصير

بأمر الله

ويضربونا بالبساطير

بإذن الله

فإن سألت حاكماً منهم

من الذي ولاك في الدنيا على أمورنا ؟

قال لنا : يا جهلة

أما علمتم أنني

أصبحت صهر الله ؟؟؟

أريد أن أصرخ

يا الله

هل أنت عينت وزير المال ؟ ...

... فهل غلاء الخبز شأن من شؤون الله ؟

... وهل غلاء الفول والحمص

والطرشي والجرجير

شأن من شؤون الله ؟

وهل غلاء الموت والأكفان

شأن من شؤون الله ؟

أريد أن أسأل في طفولة :

يا أيها الرحيم والرحمان

... إذن لماذا يأكل الكبار ( كافياراً )

ونحن نأكل النعال

إذن لماذا يشرب الضباط ويسكياً

ونحن نشرب الأوحال

... أريد أن أسأله تعالى :

هل أنت قد علمتهم عن

أن يجعلوا من جلدنا طبول

... أريد أن أسأله تعالى

هل أنت قد أمرتهم

أن يكسروا عظامنا

ويكسروا أقلامنا

ويقتلوا الفاعل والمفعول

... أريد أن أسأل :

يا الله

هل أنت قد أعطيتهم شكاً على بياض ؟

... أريد أن أسأل :

يا الله

هل أنت قد صاهرتهم حقاً ؟؟

وهل من قاتل لشعبه

يصبح صهر الله ؟؟؟ ) .

إن هذا القزم يقول لكل مسلم ها أنذا أتحدى دينكم وأسخر من ربكم ، وأنسب إليه الأصهار وأسأله مثلما يُسأل أي أحد من الناس أسئلة تهكم واستخفاف .

ثم يقال بعد كل هذا وغيره : لماذا يقال بأن الحداثة كفر وضلال وإلحاد وزندقة ؟ ! .

وإذا كنا قد نقلنا مراراً قول الحداثي الذي يجعل الوثنية أساس التعددية والحرية والتوحيد أساس التخلف والرجعية فإننا نشير هنا إلى نص آخر يدور حول هذا المعنى ففي سياق دراسته للمجتمع الإسلامي من وجهة نظر ماركسية ، يقول مؤلف كتاب “ حداثة السؤال ” : ( إن مجتمعنا ، كمجتمع أبيسي ، لاهوتي ، تراثي ، قبائلي ، تحتضن فيه الواحدية الوثنية ، لم يستنطق بعدُ ذاته ، وقد كان من الممكن أن يتم لهذه الآثار المحفورة في وعينا ولا وعينا تدمير وإبدال ، بمعاول الماركسيين العرب وسواعدهم لو أنهم ساءَلُوا آثار الذات وأشباح الحداثة ) .

هذا هو الطرح الحداثي الذي يقلب الحقائق ويغالط في البراهين ، يسمى التوحيد وثنية ، ويجعل الماركسية والحداثة - وهما من أوثان العصر - أداوة إبدال وتطوير وتقدم .

للحداثة أدغالها ومتاهاتها التي جعلت القوم يتيهون في أودية وشعاب الهلاك والضلال ، ومع ذلك فمثابتهم الأولى وأسسهم الأصلية محاربة التوحيد والإيمان ، ومناقضة الإسلام ، ابتداءً من ترسيخ مبدأ الإلحاد في جحد وجود الله أولاً ثم جحد ألوهيته ثانياً ، ثم جر البشر في مستنقعات الذل والهوان الإلحادي الجاهلي .

ها هو مؤلف “ حداثة السؤال ” يتحدث عن تعددية الواحد والمراد به الله تعالى أولاً أو مايسميه المؤلف الحداثي “ المطلق ” و “ المتعالي ” فيقول : ( هو الواحد الذي لايتعدد ولايقبل بالتعدد ... إنه اسم لا عدد كما حددته المتعاليات الإسلامية ، هو الواحد الذي لايسمح بتصريف جوهره ، يلغي مايمحو اسمه ، وما يستحضر عدديته ، ينسل من التاريخ ليحل محله المطلق :

أحد ، أحدية ، واحد ، واحدية

هذا التصور المتعالي للفاعل في الطبيعة والحضارة مترسخ في وعينا ولا وعينا ، نرى إليه ناسجاً انتشاريته في عموم العالم العربي ... ، إن التحرر هو الجواب الرئيس على السؤال الرئيس الذي طرحه تخلف العالم العربي وتبعيته للمركز الاقتصادي ، على أن هذا الجواب معقد بالواحداية المتعالية من جهة ، وذو صيغة تجريدية من جهة ثانية ) .

إن قلب الحداثة العربية ينبض بهذه المعاني السائدة بينهم في شتى مسالكهم وأنماط أساليبهم ، ولاتنفك الحداثة عن هذا الأصل الإلحادي إلاّ إذا تصورنا انفكاك ليل عن ظلام ، فهم دعاة وثنية يسمونها 

التعديدية وأعداء توحيد تحت شعار نقد المتعاليات بل قضيتهم الراسخة إزاحة الإيمان وألوهية الرحمن ، وإيجاد البديل الإلحادي من أي حقبة ومن أي مكان ، يوناني أو إغريقي أو فرعوني أو بابلي أو آشوري أو غربي أو علماني أو عقلاني أو مادي أو حداثي ، أي بديل من هذه أو غيرها ، المهم ألاَّ يكون الإسلام .

يقول مؤلف “ حداثة السؤال ” في استطراد حاقد ضد التوحيد والإيمان وبيان للمشروع الحداثي في هذا الصدد : ( إنه الواحد الذي يحتاج لتحويل من صيغته المتعالية إلى صيغته التاريخية ، من اسميته إلى عدديته ... ، ومهما كانت صعوبة نقد المتعاليات ، وهي مترسخة في وعينا ولا وعينا فإن الشروع فيه مسألة مستعجلة ... ، وتعددية الواحد ضرورة عربية ) .

وهذا الكلام هو نحو كلام القائلين : {  أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً واحِداً إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } .

وقال الله تعالى : { إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) ويَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ } .

وقال - جَلَّ وَعَلاَ - : { أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ } .

ومن كلامهم الدال على استخفافٍ بالله تعالى قول النصراني جبرا عن النصراني الآخر توفيق صايغ : ( ... كان توفيق شخصاً مختلفاً عن خليل ، وكان يعبر عن حسه الفاجع ، أو حسه بالعقم ، بشكل آخر لا عن طريق الغضب بل عن طريق المحاججة الدينية ، كان يجادل الله ، يجادل المسيح يجادل نفسه ، يجادل مجتمعه ، وكان دائماً يخرج بنتيجة أن هذه القوى كلها لاتؤدي به أو لاتتخطى به العقم الذي يرفضه هو ) .

وهذا الاجتراء على الله تعالى سمة من سمات يحموم الحداثة ، ومسلمة من مسلماتها ، فها هو يتحدث بعفوية تامة وبشكل طبيعي عن ازدراء قرينه الصائغ لله تعالى ، وهو دليل على ازدرائه هو واستخفافه بمقام الله العزيز الجليل ، ثم الوصول إلى النتيجة الإلحادية أن الله تعالى والإيمان به لايتخطى به العقم ، وتالله أن الكفر الذي تقلبوا في رمضائه هو العقم بعينه ، وهو المحل والجدب في العقول والأرواح ولكن الذين كفروا لايفقهون .

ويعبر البياتي عن هذا الاستخفاف بقوله :

( رأيت الإله على المقصلة

رأيت الديوك على المزبلة ) .

وفي دعوة إلى الثورة الماركسية أو الحداثية أو الإلحادية يتحدث عن “ عائشة ” رمز الفكرة المتنورة والحداثة المتجددة ، ثم يدعو إلى الثورة على الطغاة وهو رمز شرحه أدونيس في الثابت والمتحول ، وبين أنهم يقصدون به الله تعالى ، ثم يدعو البياتي بعد ذلك إلى الثورة على الدين ورمز له بالآلهة العمياء وهي إشارة صريحة إلى الله تعالى ، ثم الثورة على القضاء والقدر ، فيقول خيب الله آماله :

( عائشة ليس لها مكان

فهي مع الزمان ، في الزمان

ضائعة كالريح في العراء

ونجمة الصباح في المساء

فعد لنيسابور

لوجهها الآخر يا مخمور

وثر على الطغاة والآلهة العمياء

والموت بالمجان والقضاء ) .

وها هو صلاح عبدالصبور في قصيدته الناس في بلادي يتهكم بالله تعالى غاية التهكم ويستخف به - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - وبألوهيته ، وبالإيمان به وبقضائه وقدره ، فيقول :

( يا أيها الإله

الشمس مجتلاك ، والهلال مفرق الجبين

وهذه الحبال الراسيات عرشك المكين

وأنت نافذ القضاء أيها الإله

بني فلان ، واعتلى ، وشيد القلاع

وأربعون غرفة قد ملئت بالذهب اللماع

وفي مساء واهن الأصداء جاءه عزريل

يحمل بين أصبعيه دفتراً صغير

ومد عزريل عصاه

بسر حرفي “ كن ” بسر لفظ “ كان ”

وفي الجحيم دُحرجت روحُ فلان

يا أيها الإله

كم أنت قاس موحش يا أيها الإله ...

... وسار خلف نعشه القديم

من يَملكون مثله جلباب كتان قديم

لم يذكروا الإله أو عزريل أو حروف “ كان ”

فالعام عام جوع ) .

أمّا يوسف الخال فيعبر عن استخفافه بالله تعالى وبألوهيته وعبادته بعبارات عديدة منها قوله :

( وهذا الزحف العاري أإنسان

أإنسان على شاكلة الله

أراه قد من لحم الشيطان ) .

وقوله :

( انبح فينا صوت الألوهة ) .

وقوله :

( بيني وبين السماء شعرة من الزمن ، كلابي تنبح

في الدار ، ولا عظام في قبور الموتى

والذباب يأكل العيون في مدينة الرب ) .

وفي سخرية جلية بالدين وأهله وبرب العالمين - جَلَّ جَلاَلُهُ - يقول :

( النسور تبني أعشاشها في الرمل ، وفي الوحل

يصلي القديسون

ارفعوا قبعاتكم أيها العاطلون عن العمل

الوثن يجثم على قارعة الطريق ، ينشر قروحه في

وجه الشمس ، الوثن يمد خرطومه في وسطنا ، يحرك

لسان القتل ، يحمل رائحة الأدغال ، يتمنطق

بالريح الصفر

الوثن في البيوت ، ولا رماد في المواقد ) .

والمتتبع لرمزيات الحداثيين يجد أن الرمل والوحل من رموزهم المستخدمة ضد الدين والإيمان والإسلام وقرون الهجرة ، أمّا تعبيره بالوثن فمراده بذلك الله ذو الجلال والإكرام ، وهذا يذكر بأقوال فرعون { ومَا رَبُّ العَالَمِينَ } و { مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي } ، والكفر كله ملة واحدة .

أمّا صنيعة المخابرات المركزية الأمريكة توفيق الصائغ ، فمن ضمن إبداعاته !! قوله :

( وما إلهك إن لم يجب ؟ ...

... أيها المعطي رذاذاً والآخذ سيولاً

والمتلكيء في العطاء كأنّما

بذرة الألوهة بين طيات اليد القابضة

والهاب ، تكاد تتعثر ، للأخذ

كأنك تفتض بأخذك أعناق أرباب قدامى

وكأنك لاتدرك

إن عطاءاتك نفايا ) .

وله مقطع جنسي بذيء مليء بالاستخفاف والسخرية بالله تعالى ، ومنه قوله يخاطب الله تعالى:

( ورسمك الذي بدا يتهلهل ) .

وقوله :

( أأدركت ما بنا

أم أأعماك الغرور واللاانتظار

وإباؤك أن ترانا انتشينا

نقمة ومقتا

نجزيك بهما عن الليالي المداد

نقعتنا بها بحمأة الترجي

ولا رجاء

ونفضتنا عنك ، أرخص مما اشتريتنا

ولم تخلف لنا

غير وعد برسول من لدنك

ينقل لنا خيراتك

ينفخ في رماد الذكريات

أراعك أنا استدرنا

حول الرسول ساخرين

... إنك مغلوب كإيانا

وفي عوز مثلنا وأسر وصحراء

ورسالاتك هذه إلينا

استغاثات لا غرام

وتقربك الآن إلينا

ليس حباً بقربى

لكن لتسكين إبرة فيك

لاتكل

وتريدنا وقد خرطشتنا برشاشك

أن نسكن إبرتك

ونحن “ ألم تدرك ؟ ”

تقبلنا اللهيب لنوقد الكره الأصم

وابتلعنا العصير

لنتقيأ منه

اسمك والماضي وذكراكا ؟ ) .

سبحانك اللهم تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، سبحانك اللهم تقدست وتعاليت ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

وفي مقطع آخر يقرن بين الله تعالى وحيوان الكركدن في تصميم على التدنيس والاستخفاف بالله تعالى وألوهيته والإيمان به ، يقول :

( في الفجر الكبير

في الموكب الشامل

وحدك والإله الوحيدان

وكسعيه لعذرائه

سعيك لعذرائك

... إله حق وحيوان خيال

أفما تختلف النتائج

... والسنون الثلاث والثلاثون

أأطول في عمر الإله

من الساعات في عمرك ؟

حبك العذراء

حب الإله لها

... أعضاء جنس

مذابح كفر وفحش

يتلوين

يفتحن سيقانهن

كافرات

بوجه السماء ) .

وله مقاطع وكلمات كثيرة مليئة بهذا اللون من الكفر .

أمّا قرينه في العمالة والديانة والحداثة أنسي الحاج فمن أقواله :

( أريدك يا إلهي دائماً مثل هذه الأم ) .

( ولماذا يهجس الله بإقناع الإنسان واستمالته ... ) .

( الصلاة تسقي الله كما يسقي الحب المرأة ) .

( مجرمو الله ، في أي زمن وإلى أي إله انتسبوا ، هم طارئون على فني الإجرام والقداسة معاً) .

( الله في البركة مطمئن وفي النهر منزعج

الصمد يرتاح في جمود الحركة ويراقبها بعيون الغدران والمستنقعات ) .

 ( هل يستطيع الله أن يبطل إلهاً ) .

( نتمرد على الله كما نتمرد على الأب ، تستطيع أن تكون شيطاناً في كنف الله ...

... صورة الله في كتابات بعض الأنبياء هي صورة السلطان الذي كانوا يشتهون أن يكونوا

الله أول الدمع ...

... لا دموع إلاّ دموع الله فوقها ) .

سبحان الله وتعالى عما يقول الكافرون علواً كبيراً .

أمّا الشاعر العربيد أمل دنقل فإنه يتوجه إلى الله بدعاء ثم يقرر بأنه لم يكن هناك أي صدى ولم يجد سوى الوباء والجرب :

( ودعونا الله أن يكشف عنا الغمة المنعقدة

أعطنا ليلة حب واحدة

أعطنا ليلة طهر واحدة

أعطنا ليلة صدق واحدة

وتنسمنا صدى الدعوة ، غربلنا الهواء

لم يكن إلاّ الوباء

جرباً تحت الجلود ... ) .

وفي جرأة ووقاحة وسخرية واستخفاف يقول :

( خصومة قلبي مع الله ليس سواه

... فهل نزل الله عن سهمه الذهبي لمن يستهين به

هل تكون مكان أصابعه ... بصمات خطاه ) .

أمّا نزار قباني فله أسلوبه الخاص في الاستخفاف والسخرية ، فهو يقرن الله تعالى بالشعر :

( الآن عرفنا

أنا كنا ضد الله وضد الشعر ) .

ويجعل الله - تعالى الله وتقدس - جاهلاً محتاجاً فيقول :

( الله يفتش في خارطة الجنة عن لبنان ) .

ويقول سميح القاسم بنغمة ماركسية إلحادية :

( أنا قبل قرون

لم أتعود أن ألحد

لكني أجلد

آلهة كانت في قلبي

آلهة باعت شعبي ) .

ويقول محمد الماغوط مخاطباً عشيقته :

( وكنت أحبك يا ليلى

أكثر من الله والشوارع الطويلة

وأتمنى أن أغمس شفتيك بالنبيذ

وألتهمك كتفاحة حمراء على منضدة ) .

ويقول : أحمد دحبور في تهكم سافر :

( الأرض بساط الله

بساط الله الآن يحاط بجيش الله الأمريكي :

فمن جهة بالنار

ومن جهة بصلاة العار

وخلفهما حكم عدل

يتساقط عدلاً

واختر أحد الموتين

أو ارحل

دون وطن ) .

ويواصل في تهكمه واستخفافه بالله تعالى وعبادته :

( هاهم من التل حتى الصلاة

يمر عليهم وزير الهبات فيثني على باريء الكائنات بما

هو أهل ويلقى على رأسها حجراً

ثم بذبح من أهلنا نفراً

رحمة ، لعنة ، لعنة ، رحمة

أسأل الله الايسم بالعفو حزني ) .

 

أمّا الروائي الحداثي الكبير عبدالرحمن المنيف فيقول في روايته مدن الملح : ( الرجل يستيطع أن يرضي الله ويرضي الشيطان معاً ، أمّا أن يرضي امرأتين فأمر مستحيل ) .

وهو كلام في غاية السخف والانحطاط ، وفي غاية الاجتراء على الله القدوس العظيم - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - إذ يقرنه بالشيطان الرجيم ، ويجعل رضوانه قريناً لرضى الشيطان ، ويجعل منال هذا الرضوان أسهل وأيسر من نيل رضوان النساء ، اللهم سبحانك وبحمدك .

وفي مواضع أخر من روايته ، يصل به التهكم مداه حين يقول : ( أخطر شيء في هذه الحياة بعد الله والمال هو السروال ، إذا كانت دكته قاسية أتعب ، وإذا ارتخت دكته أشقى وأتعب ) .

ويقول على لسان أحد الشخصيات : ( يارب يا صحب الخيمة الزرقاء أنت العالي وتعرف ما بالقلوب ، أحرس الوادي وجنبه البلاء ) .

وعلى لسان شخصية أخرى يتحدث عن رجل أرمني اسمه آكوب قائلاً : ( آكوب أقوى من ربهم ، أكوب يدفنهم قبل ما يموت ) . 

وتقول زهوة إحدى شخصيات الرواية عن قصر أخيها خريبط: ( ... ويلزم تعرفين هذا القصر قصر الرحمن ) .

ويقول : ( الإنسان أي إنسان ، يكتسب الكثير من التجارب والمعارف والأشعار وتجعله باستمرار غير ما كان قبلها ، أمَّا أن ينقلب بهذا المقدار فلاشيء يقوى على ذلك إلاّ الله والمرأة ) .

وعلى لسان زيدان أحد الشخصيات في بادية الظلمات من مدن الملح يقول : ( موران بعدها بوعيها أو الله هبل أهلها ؟ ، وإذا أمهلها فيا ترى ينذرها ، وبعدها يسوي بيها اللي سواه بإرم ذات العماد ويقلب عاليها سافلها ، ويغير كل شيء فيها ، أم عنده أشغال أهم منها ؟ ) .

ويقول ابن جلون في رواية ليلة القدر : ( كانوا يعيشون هناك في اكتفاء ذاتي بعيداً عن المدينة بعيداً عن الطرق وبعيداً عن الله نفسه ) .

أمّا رواية مسافة في عقل رجل فقد اترعت بالخبث والاستخفاف والسخرية بالله تعالى وبدينه وألوهيته والإيمان به .