إنه صنفٌ من المؤثرين في الطبقات العليا للساسة والحكام ، وله معهم صولات وجولات ، بدأ حياته كدارسٍ للحقوق في إحدى الجامعات المصرية ، ثم تقاذفته الأدوار والأحداث ليصبح مستشاراً ومقرباً من الثوار الجزائريين المنتصرين على فرنسا أوائل الستينات الميلادية ، وفي مرحلة تاليةٍِ من حياته كان أحد الأعمدة المؤسسين لمفهوم البنوك والمصارف الإسلامية . كانت البداية لأحداث قصة حياته الدكتور توفيق الشاوي هي التحاقه بقسم " الاتصال مع العالم الإسلامي" في جماعة الإخوان المسلمين في مصر ، مكلفاً بملف نضال الدول المغاربية ( ليبيا ، تونس ، الجزائر ، المغرب ) لنيل استقلالها ، مكّنه هذا الموقع من التعرف على شخصيات النضال كـ ( علال الفاسي) و( مصالي الحاج) وصولاً لشخصيات أخرى كـ ( الحبيب بورقيبة ) و ( أحمد بن بللا ) .
في مذكراته هذه ، يسرد الشاوي مراحل تطور نضالات الشعوب المغاربية من موقع المعايشة والتفاعل مع شخصياتها وأحداثها اليومية ، وهو يمر في سرده الممتع بمرحلة دراسته للدكتوراه بفرنسا والتي أتاحت له لقيا كثيرٍ من هذه الشخصيات ثم زيارته المتعددة للدول المغاربية ، والمشاكل والعقبات التي واجهها ، متخطياً بعضها بالنجاح وبعضها الآخر بإخفاقٍ ذريع.
لعل القيمة الكبرى لهذه المذكرات أنها توضح حقائق ما " خلف الستار" بالنسبة للمتابع العادي للتطورات والأحداث السياسية من المنظور الإعلامي البحت ، فَمَنْ من عموم المشاهدين و المتابعين يعلم أن النضال الجزائري للاستقلال بدءاً منذ عام 1937م على يد عامل جزائري في فرنسا هو ( مصالي الحاج) جرى فيما بعد طمس شخصيته وإطفاء ذكراه لصالح شخصياتٍ أكثر مرونةً مع المحتل ، مثل ( أحمد بن بللا ) و( هواري بومدين)، وكم هم الذين يعلمون أن ( الحبيب بورقيبة) والذي يعرف بأنه أبو النضال التونسي ، هو في الحقيقة منشقٌ على حزبٍ أسسه علماء الزيتونة يُدعى ( الحزب الدستوري القديم) !!
هذه كلها مجرد "عينات" مما حفل به هذا الكتاب القيم من معلومات وأسرار يكشف عنها من عاصر تلك المرحلة بكل تقلباتها وأزماتها ، يرويها لكم قانوني كبير عاش في أوروبا كما المغرب والجزائر وتونس، وحافظ على علاقات شخصية بالملك ( محمد الخامس ) ومعارضه ( المهدي بن بركة ) وظل لفترة طويلة على علاقة صداقة بـ ( الحبيب بورقيبة)و(راشد الغنوشي) و( عبدالفتاح مورو )، ومن أصدقائه ومعارفه ( ابن بللا )كما ( عباسي مدني) و( محفوظ النحناح) !!
يحاول المؤلف في ثنايا مذكراته التأكيد على حتمية " الحل الإسلامي" وأن التجارب التي عاصرها لنيل الاستقلال جميعاً تنكرت لهذا الأصل أو تخففت منه، فأصابها العطب وتصادمت مع مواطنيها وجمهورها ، وهو في ثنايا تأكيده لا يقدم هذه الحتمية كشعارات جوفاء ، وإنما نماذج عملية وبرامج وخطط أشرف على بعضها تطبيقاً و سجّل الأخرى بقلمه نظريات ، ينتظر المجربين ، فمن ضمن المشاريع التي أشرف عليها مشروع الدستور الجزائري ، ومن قبله ( إعلان الإستقلال )ثم مدونة الجنسية الجزائرية والتي اصطدمت بمصالح الاشتراكية الدولية – آنذاك- فتم إجهاضها سريعاً .
يؤخذ على هذه المذكرات تحييدها للمعلومات , أحياناً لصالح التنظير وتأكيد التنظير ، ثم التكرار – الممل - حيث أنها كتبت على شكل حلقات ( يظهر أنها نشرت في مجلة المجتمع) ، فكان لزاماً في كل حلقة أن يُعطى ملخصاً موجزاً عن الحلقة السابقة مما شكل حاجزاً مانعاً للاسترسال السلس في القراءة .
ويؤخذ عليها أيضاً الفجوة في التوثيق بين عامي ( 1974- 1988) والتي تم تغطيتها بشكل عابر - مقارنة لما سبقها من الأعوام- ولعل انشغال المؤلف حينها بمسيرة التأسيس للاقتصاد والبنوك الإسلامية ، وتأسيس المدارس النموذجية قد حال دون التفصيل في مجريات تلك الأعوام.