فمن ذلك قول نزار قباني حينما ناقشه منير العكش في كتابه أسئلة الشعر قائلاً : ( ... حين لايجد الشاعر له مطابقاً لغوياً أو رمزياً على الأرض لهو أكبر دليل على تحدي السماء ) .
أجاب قباني : ( لا أزال أصر على أن السماء لاتعرف أن تكتب شعراً ، أن الشعر محصور بالإنسان ، وبالإنسان فقط ، ومما لاشك فيه أن القلب الإنساني تركيب سماوي ، ولكنه تركيب ملغوم بكثير من الاحتمالات التي لاتتوقعها السماء ، القلب الإنساني قمقم رماه الله على شاطيء هذه الأرض ، وأعتقد أن الله نفسه لايعرف محتوى هذا القمم ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه ، والشعر واحد من هذه العفاريت ) .
أمّا البياتي فيعبر عن رفضه للدين ومعاداته له ولما ينبثق عنه من تراث وحضارة بقوله :
( وبصقت في وجه السماء ) .
وقوله مخاطباً عشتار :
( وتمزقت وناديتك باسم الكلمة
باحثاً عن وجهك الحلو الصغير
في عصور القتل والإرهاب والسحر وموت الآلهة
وتمنيتك في موتي وفي بعثي وقبلت قبور الأولياء
وتراب العاشق الأعظم في أعياده موت الفقراء
ضارعاً أسأل ، لكن السماء
مطرت بعد صلاتي الألف ثلجاً ودماء
ودمى عمياء من طين وأشباح نساء
لم يرين الفجر في قلبي ولا الليل في وجهي بكاء
فمتى تنهل كالنجمة عشار وتأتي ... ) .
ويبحث عن جذر يشاركه هذه النظرة المحتقرة ، ويغتش في رواق الإسلام النظيف الطاهر فلايجد إلاّ شبيهاً له في الشك والريب والاضطراب ، فيتكيء عليه جاعلاً منه سلفاً ومطيته إلى رموزه الشيوعية من لوركا إلى الفقراء الكادحين الذين يفني باسمهم تحت لواء المطرقة والمنجل ، فيقول :
( شيخ المعرة الضرير يفتح الكوة في اكتئاب
ويحدج السماء
بنظرة ازدراء
... لوركا يُجرُ واقفاً للموت في الميلاد
أمامه كانت طلاب الصيد تجري
تنبح الجلاد ) .
ونظرة الاحتقار للسماء التي عبر عنها البياتي من خلال سلفه البائد ، هي النظرة نفسها التي عبر عنها صلاح عبدالصبور في قصيدة الناس في بلادي في قوله :
( ... فالعام عام جوع
وعند باب القبر قام صاحبي خليل
حفيد عمي مصطفى
وحين مد للسماء زنده المفتول
ماجت على عينيه نظرة احتقار
فالعام عام جوع ) .
( ... هنا صورة أخرى قاتمة للقدر ، واتهام للمقدر ومزيد من الانحراف والكفر ، وإذا كان المؤمنون يضرعون إلى الله تعالى في أعوام المجاعة وفترات الأوبئة أن يرفع عنهم البلاء ، وإذا كان الأقل إيماناً والعاصون يلجأون - فطريا - إلى الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - في أوقات الشدة ، وهذا اللجؤ من طبيعة الإنسان ، ويمسكون عن المعصية ، ويأخذون في الاستغفار أملاً في عفو الله ورحمته المنقذة ، فإن مريدي العم مصطفى من صنف آخر ، ليس فيه المؤمنون ولا حتى الفاسقون ، فهم يعرضون عن ذكر الإله ولايعبأون بالموت ، وكأنهم استغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا واستكباراً ، إذ يتفجر انحرافهم ويعربد فكرهم في أعلى صورة ، وتبتديء آثار العم مصطفى وقد بلغت عرامها ، فيخرج من بين الصفوف “ خليل ” حفيد العم مصطفى ليكون امتداداً له ، ليس في النسب وحسب بل في الكفر والتمرد والطغيان ، فقد تضخم ما زرعه فيه جده واشتد ، وتحولت الثورة الصامتة إلى ثورة صاخبة ، وتحولت ألفاظ التهجم على الألوهة إلى تحد ودعوة - قميئة - للمنازعة والصراع ، فخليل تحت تأثير موت جده وعام الجوع ينفجر بأعلى صور النقمة التي تدور في نفوسهم مريدي العم مصطفى ، ويرفع إلى السماء زنده المفتول ، والزند المفتول إشارة واضحة إلى الاغترار بالقوة وإلى التحدي ، والإقدام على الخصومة والمصارعة .
ولايكتفي الشاعر بهذه الصورة القذرة ، بل ينهي القصيدة بلقطة سريعة أشد كفراً وقذارة .. فخليل الذي يرفع زنده متحدياً السماء .. ينظر أيضاً “ باحتقار ” يموج - انظر ماتوحي به لفظة يموج من قدر كبير - بين عينيه .. والاحتقار موجه إلى الله - عَزَّوَجَلَّ - !! تعالى الله عما يأفكون ...
ولاشك أن هذه الصورة أثر من آثار تخبط الشاعر وتأثره بالصورة القاتمة التي بثها الأدب اليوناني القديم للقدر ، وبالصور التي نمت - بتأثيرها - في الآداب الأوربية في ظل موجات الإلحاد والتمزق والاضطراب ) .
وعند صلاح عبدالصبور من هذه التصورات ما يكفي للدلالة على مدى محاكاة أهل الحداثة - ممثلة في متبوعيها - للملل والنحل والعقائد الكافرة قديمها وحديثها ، وليس في أدبيات المسلم - مهما بلغت به المعاصي والذنوب ، ومهما بلغ به الجهل بدين الله - مثل هذه المعاني الكسيحة الفاسدة .
وليست قصيدة الناس في بلادي إلاّ حبة في عقد فكري واعقتادي عاشه صلاح عبدالصبور منافحاً ومدافعاً وداعياً ، ومن مخازيه مما يشابه ما ذكرناه آنفاً ، ماجاء في مقطع بعنوان رسالة إلى صديقة يقول فيه :
( بالأمس في نومي رأيت الشيخ محي الدين
مجذوب حارتي العجوز
وكان في حياته يعاين الإله
تصوري ، ويجتلي سناه
... ومات شيخنا العجوز في عام الوباء
وصدقيني ، حين مات فاح ريح طيب
من جسمه السليب
وطار نعشه وضجت النساء بالدعاء والنحيب
بكيته ، فقد تصرمت بموته أواصر الصفاء
ما بين قلبي اللجوج والسماء ... ) .
ولعل كاتباً أو ناقداً مولعاً بالحداثة مقدساً لها يجد في هذا القول مايرد به على الطرح العام لهذا البحث قائلاً ها هو صلاح يؤمن بالشيوخ والدين !! .
وفي واقع الأمر أن الكلمات تضج بلون آخر من الانحراف ، وفيها من تهوين الدين والاستخفاف به ونسبته إلى الخرافة والتخلف الشيء الكثير ، فالشيخ محي الدين مجنون ، أو مجذوب ، حسب التعبير الصوفي وهو يعاين الله - تعالى الله عما يقولون - بل ويجتلي سناه .
وهذا الشخص المجنون الصوفي الخرافي هو محور اهتمام صلاح عبدالصبور ومحور كلامه ، وهو الإطار الذي يسقط من خلاله تصوره للدين وأهل الدين ، وفي ذلك إيحاء كامل بجهل الشاعر أو إغراضه ، فقد جعل العلاقة بالله تعالى وبالدين قائمة على أساس التبعية لهذا المجذوب ، فلما مات فاحت رائحة جسده وطار نعشه وهي صور شعبية خرافية يتبرع بها الناس الجهلة في إضفاء أوصاف الخوارق على الدراويش والمجاذيب “ مشايخ الدين ” ولم يقف الشاعر عند هذه الصورة الخيالية الخرافية بل اتبعها بأنه قد تصرمت بموت المجذوب محي الدين أواصر الصفاء بينه وبين السماء ، وكأن علاقة الإنسان بربه ، علاقة مرتهنة بشخص ، وأي شخص ؟ مجنون يسمى الشيخ محي الدين .
وبالإضافة إلى هذه الصورة التهكمية للدين والعلاقة الواهية به ، يريد أن يصل إلى الدين كله عبارة عن اختيار ساذج بسيط خرافي هش يُمكن اعتناقه أو تركه لأي علة أو عارض ، وأن الدين - في حال اختياره - ليس سوى علاقته فردية بالسماء ، قابلة للاعتناق والترك وفق مراد الشخص .
ومن صور التهكم والعداء للسماء قول توفيق الصائغ :
( أعضاء جنس
مذابح كفر وفحش
يتلوين
يفتحن سيقانهن
كافرات
بوجه السماء ) .
وهي صورة بشعة خبيثة ، تنم عن طوية أخبث وأبشع ، وعقيدة أفسد وأشنع ، بل وتدل على أن من ارتكس في حب هؤلاء والإعجاب بهم والدفاع عنهم ، وقد علم باطلهم وضلالهم هو مثلهم .
أمّا نزار قباني فقد شن حملته على السماء والدين والقدر والنبوة والتراث والقيم وبلاد المسلمين وثقافتهم ، في كثير من أقواله وخاصة المقطع الذي سماه “ خبز وحشيش وقمر ” والذي يقول فيه :
( ما الذي يفعله قرص ضياء ؟
ببلادي
ببلاد الأنبياء
وبلاد البسطاء
ماضغى التبغ وتجار الخدر
ما الذي يفعله فينا القمر ؟
فتضيع الكبرياء
ونعيش لنستجدي السماء
ما الذي عند السماء ؟
لكسالى ضعفاء
يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر
ويهزون قبور الأولياء
علها ترزقهم رزّاً وأطفالاً قبور الأولياء
ويمددن السجاجيد الانيقات الطرر
يتسلون يا فيون نسميه قدر
وقضاء
في بلادي .. في بلاد البسطاء ) .
ولاشك أن بلاد المسلمين لما كانت مستمسكة بدينها تقيمه في حياتها وتجعله قوام عيشها ، كانت أزهى وأرقى أمة ، وما أصابها الخدر والضعف والهوان والذل إلاّ عندما تركت طريق الأنبياء وتركت استجداء الله وعبادة الله الذي في السماء ، وصار المنحرف والملحد والشاك والضائع والعميل رأساً يشار إليه بالبنان ، تطيع أقواله ، وأضحى من أبنائها من يدافع عن انحرافاته وضلاله وكفره من يدافع من المسترحلين ميتي الشعور الديني ، عديمي العلم والإيمان .
وأمّا محمود درويش فإنه يعبر عن مجافاته للسماء تعبيراً رمزياً يشي بالجحد والإنكار والإلحاد ، وذلك في قوله في مقطوعة بعنوان “ أبي ” :
( غص طرفاً عن القمر
وانحن يحضن التراب
وصلى
لسماء بلا مطر
ونهاني عن السفر ) .
فهو يعتقد أن السماء لاشيء عندها ، بل فيها الجمود والتحجر ، ويرى السفر والبحر “ الغرب ” رمز التقدم والتطور :
( وأبي قال مرة
حين صلى على حجر
غض طرفاً عن القمر
واحذر البحر والسفر
يوم كان الآله يجلد عبده
قلت : يا ناس ! نكفر ؟
فروى لي أبي ... وطأطأ زنده ) .
وفي مقطع آخر يجعل درويش السماء أغلالاً في سياق حديثة عن سرحان الذي يقول عنه :
( رأينا أصابعه تستغيث ، وكان يقيس السماء بأغلاله ) .
( ومن يومها كفت الأمهات عن الصلوات وصرنا
نقيس السماء بأغلالنا ) .
ويتبدى محمود درويش أكثر وقاحة وحرباً على الإسلام في ديوانه أحد عشر كوكباً حين يقول :
( أقل احتفالاً على شاشة السينما ، فخذوا وقتكم
لكي تقتلوا الله ...
... ونعرف ماهيأ المعدن - السيد اليوم من أجلنا
ومن أجل آلهة لم تدافع عن الملح في خبزنا
ونعرف أن الحقيقة أقوى من الحق ، نعرف أن الزمان
تغير ، منذ تغير نوع السلاح ، فمن سوف يرفع أصواتنا
إلى مطر يابس في الغيوم ؟ ... ) .
فإلى الذين يلتسمون بوارق الأمل في الحداثة ويعتبرون أنفسهم من المسلمين : أما آن لكم أن ترحلوا عن فسطاط الكفر والزندقة والنفاق ؟ .
ويعبر محمود درويش عن يأسه وجحوده ومعاداته للسماء ، ومن في السماء ، في قوله :
( ونحن الذين ندق نحاس السماء ، ندق السماء لتحفر من بعدنا طرقات ) .
أمّا سميح القاسم فقد تسارعت خطواته على دروب الإلحاد من خلال الشيوعية التي اعتنقها ، فأضحى لساناً معبراً عن الماركسية عقيدة ومسلكاً ورموزاً ، وسيفاً مصلتاً على الدين والإيمان ، ومن ذلك قوله في مقطوعه بعنوان “ عزيزي ايفان الكسييفتش اكتوبر ” وفيها يصور صحوته التي جاءته بعد اعتناقه للشيوعية !! :
( صحوت على يد مسّت جبني الجهم ، في رفق
وصوت معلم جوال
أتى من قمة الشرق ) .
( عميقاً كان صوت معلمي الجوال
وعذباً كان
همى مطراً على صحراء
تشربه إلى الأعماق
قلبي الأسود الصلصال
فأصبح وردة حمراء
وأصبح بعد عقم طال
جوهرة وكمثراة
وعصفوراً ، ومصباحاً على الطرقات
رفيقي - آه - يا إيفان ) .
وبعد هذا الانطراح الاتباعي والترنيم العبادي للشيوعية ، يصور تركه للدين ومعاداته للسماء :
( تلوت قصائدي الأولى
على جثث الحساسين
ودقت قبضتي باب السماء
ولذت بالدين ...
... دعوت الأولياء الصالحين
فردت الوديان :
إلهك كان يا هذا .. إلهك كان
وقهقهت السفوح السود
والقمم النحاسية
إلهك كان .. يا طرح الأناشيد الحماسية ) .
ويعتبر تركه للدين طهارة !! ، وغرقة في الإلحاد نجاة !! ، فيقول :
( من قديم الزمان !
قيل : كانوا سعاه
في بريد الإله
لم يكونوا غزاه ، ككل الغزاة
وأنا ايها السادة التافهون
طاهر ، طاهر من رياء القضاة
ومسوح السماء ) .
ولزميله الماركسي الآخر دندنة إلحادية أخرى على المسار المعتم نفسه ، ذلك هو توفيق زياد الذي يقول :
( ومن أين تأتي النقود
وهذه السموات رغم الدعاء
ورغم الصلاة صباح مساء
أبت أن تجود ولو بالقليل
من الذهب المفتدى ) .
ويعتبر توفيق زياد أحد المندفعين في تمجيد الشيوعية ومدحها وإطرائها والتغني بتاريخها القديم - مثل ثورة العمال في باريس في القرن الماضي وهو ما يسمى عند الماركسيين بكومونة باريس - والافتخار بتاريخها الحديث ، وإنجازاتها المادية ، ومن ذلك قوله :
( وتكبر مدخنة تتحدى
السبع السموات ) .
ويخاطب عمال العالم بلهجة ثورية ماركسية تقريرية أشبه بالبيانات العسكرية ، فيقول :
( هبوا كالريح كعاصفةٍ
تكتسح السبع سماواتٍ ) .
أمّا الفيتوري فقد كانت له جولاته وصولاته الحداثية وانحرافاته الفكرية ، وذلك قبل أن يكتشف دنس المسلك الحداثي وخطورته على الأمة والدين والأخلاق ، وكان من سوابقه الرديئة قوله :
( ولئن الموت عبد
ولئن الظلم عبد
ولئن الحر عبد في بلاد مستغلة
ولئن القدر السيد عبد يتأله
والنبوات مظلة
والديانات تعلة
هي من كل ضريح في بلادي
كل ميت مندثر
كل روح منكسر
ناقماً على البشر
كل أعداء البشر
كافراً بالسماء والقضاء والقدر ) .
وعلى نَمط أقوال صلاح عبدالصبور في قصيدته الناس في بلاد يقول محمد علي شمس الدين ، محاكياً ومكرراً المعنى نفسه :
( سأطلق نحو السماء رصاصة رفضي
وداعاً ) .
أمّا الداعر العربيد - حسب اعترافاته - محمد شكري ، فله من الأقوال المنكرة والأفعال القبيحة ما سطره بكل جرأة ووقاحة في روايته عن نفسه التي سماها : “ الخبز الحافي ” والتي يقولها فيها : ( ... أجدني بعيداً لاعناً إياه ، كارهاً كل الناس باصقاً على السماء والأرض ، ذات يوم كنت مع نشالين في مقهى ندخن الكيف ونشرب الشاي الأخضر ) .
ويقول : ( ... رأيت في الطريق بعض الأسماك الصغيرة المداسة ، سمعت سقوطي في الماء ، أظافري دامية ، رفعت وجهي نحو السماء ، إنها أكثر عراء من الأرض أكثر عراء ) .