ابحث فى المقالات






البدعة المتعلقة بالفعل والترك

مر سابقاً أن من مفاهيم أهل السنة والجماعة للبدعة أنها تقع بالفعل والترك ، أي بفعل غير المشروع ، وترك ما هو مباح أو مشروع ، وبتعبير آخر : فعل ما تركه الشارع ، وترك ما شرعه أو أباحه تقرباً إلى الله بذلك .

وهنا سيرد بعض البسط لهذا المفهوم ، بتبيين المراد بالفعل والترك ، وأدلة ذلك وأمثلة وبالله التوفيق ...

أما الفعل فيراد به هاهنا معنيان :

الأول : فعل الشارع .

الثاني : فعل المكلف .

1-     فعل الشارع :

فهو ما تقوم به الحجة على وجوب أمر أو استجابة أو ندبة أو إباحته أو تحريمه أو كراهته ، وبعبارة أخرى : يراد بفعل الشارع ما يؤدي إلى إلحاق حكم شرعي بالوصف المراد .

وهذا يشمل نصوص الكتاب ونصوص السنة الثابتة ، وهي فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قوله أو إقراره ، مما لا يعد من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا من الأمور الجبلية ، ولا مما فعله على سبيل الاتفاق ، كتوقفه أثناء سفره لقضاء حاجته ونحو ذلك .

أما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجه العادة فهو مباح لنا ، إلا أن يقوم دليل على اختصاصه .



وفعل الشارع بهذا الإطلاق يدخل المعنى العام للسنة الذي هو : الشريعة الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة ، أو ما استنبط منهما من أصول وما ورد من أخبار وآثار ، وهذا الذي أراده شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله : ( ... السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله ، سواء فعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أو فُعل في زمانه ، أو لم يفعله ولم يُفعل في زمانه ؛ لعدم المقتضي حينئذ لفعله ، أو وجود المانع منه فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة ... ) .

وهذا الإطلاق العام يضم مراد الشارع من حيث الحظر والإباحة ، وما بينهما من أحكام ، في ما عُرفت علته وحكمته ، وفي ما لم تُعرف علته وحكمته ، وهو ما اصطلح عليه باسم العبادات والمعاملات ، سواء كان هذا المراد الشرعي نصاً كألفاظ الكتاب والسنة ، أو أصلا يعتمد في ثبوته ودلالته وحجيته على نصوص الكتاب والسنة ، كالإجماع ، والقياس ، والمصالح المرسلة ، وقول الصحابي ، وقد وضح الشاطبي هذا المعنى في الموفقات أثناء حديثه عن معنى ( السنة ) واختلاف معاني إطلاقات هذا اللفظ فقال : ( ... ويطلق أيضاً في مقابل البدعة ، فيقال : ( فلان على سنة ) إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – كان ذلك مما نص عليه الكتاب أولاً ، ويقال : ( فلان على بدعة ) إذا عمل على خلاف ذلك ، وكأن هذا الإطلاق إذا اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة ، فأطلق عليه لفظ السنة من تلك الجهة ، وإن كان العمل بمقتضى الكتاب .

ويطلق أيضاً لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة ، وجد ذلك في الكتاب أو السنة ، أو لم يوجد لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا ، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم ، فإن إجماعهم إجماع ، وعمل خلفائهم راجع أيضاً إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه ، حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم ، فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان ، كما فعلوا في حد الخمر وتضمين الصناع ، وجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة ، وتدوين الدواوين وما أشبه ذلك ... ) .

وهذا الذي ذكره الشاطبي من معاني السنة هو الذي كان رائجاً في العصر الأول ، فقد كان السلف يطلقون اسم السنة بهذا المفهوم ، وهو ما يتلاءم مع هذا السياق : في بيان المراد بفعل الشارع وفي الحديث عن البدعة ...

وبهذا المفهوم العام للفظ السنة أو مراد الشارع أو فعله تدخل سائر الأحكام الشرعية الواجبة والمندوبة ، والمباحة والمحرمة والمكروهة ، سواء كانت متعلقة بالأعمال أو الأقوال أو الاعتقادات ، وسواء كانت فعلاً أو تركاً ...

وبإيجاز : كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي ، وعلى هذا فإنه يجب أن ينظر إلى أفعال البشر وتصرفاتهم وفق هذا الميزان الشرعي ، فإن كانت موافقة لمراد الشرع عُمل بها وإن لم تكن كذلك رُدت وهذا ما سبق بيانه تحت عنوان : ( البدعة هي ما ليس له أصل في الدين ) .

1-     وأما فعل المكلف :

فيراد به كل عمل يقوم به بالجوارح أو باللسان أو بالجنان ، في مجال العبادات أو المعاملات أو العادات .

وهذه الأفعال لا تخرج بحال من الأحوال عن النظر الشرعي ؛ لأنه ما من فعل إلا ولله – سبحانه وتعالى – فيه مراد وحكم : [ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ] ، [ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] .

وهذا الحكم الإلهي والمراد الشرعي لله سبحانه وتعالى قد يكون منصوصاً عليه باللفظ ، وقد يكون مستنبطاً من لفظ الشارع ، أو من سكوته ، أو من أصول ومقاصد وكليات وقواعد بنيت على النصوص الشرعية ... وما إلى ذلك مما يصلح للاحتجاج .

وفعل المكلف إما أن يكون في مجال العبادات ، أو في مجال العادات والمعاملات ، ولكل من المجالين قاعدة شرعية ، وحكم إلهي تسير عليه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

( ... الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم ، أن أعمال الخلق تنقسم إلى : عبادات يتخذونها ديناً ، وينتفعون بها في الآخرة ، أو في الدنيا والآخرة ، وإلى عادات ينتفعون بها في معاشهم .

فالأصل في العبادات : أن لا يشرع فيها إلا ما شرعه الله .

والأصل في العادات : أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله .

وبهذا القياس توزن أعمال المكلفين ، وبهذا المعيار تسير أفعالهم فإن كانت وفق الدليل الشرعي ، ولها أصل في دين الله يدل عليها ، فهي مقبولة مثاب عليها فاعلها إذا قصد بها وجه الله .

وإن كانت مخالفة للشرع ، أو مناقضة له فلا تخلو من أحد حالين :

الأول : أن لا يقصد بهذه المخالفة القربة إلى الله سبحانه فتعد معصية ، وفي هذا تدخل جميع المنهيات الشرعية مثل النظر إلى النساء ، وسماع الغناء ، والحلف بالطلاق ، وشرب المسكر ، وكشف العورة ، وأكل الربا ... وغير ذلك .

الثاني : أن يقصد بالمخالفة القربة على الله – سبحانه وتعالى – فهذه هي التي تعد بدعة ، سواء كانت في العبادات المحضة أو المعاملات أو العادات ، وسواء كانت بالاعتقاد أو الجواح أو باللسان .

فأما في العبادات فالأمر بين وواضح ، مثل : صلاة الرغائب ، وصلاة النصف من شعبان ، والأوراد البدعية عند الصوفية ، واعتقا دالولاية في مظهر الفسوق وغير ذلك ، وهو كثير ...

وأما المعاملات فمثل : النظر إلى النساء والمردان ، أو استماع الغناء بقصد القربة ، أو أخذ المكوس والضرائب على الأبدان ، والبضائع ، مع اعتقاد أن ذلك مما يجيزه الشرع أو يبيحه ، ويدخل في هذا المعنى مجموعة من البدع السياسية وكل البيوع والعقود والشروط التي نهى عنها الشارع وألغاها ، فإن فعلها على وجه القربة لله ، أو إلحاق حكم لها بالوجوب أو الندب أو الإباحة من الإبتداع .

ومن أوضح ما يصح التمثيل به في هذا الباب : نكاح المتعة الذي تجيزه الرافضة وتعمل به .

ومثله نكاح المحلل ، من قال بجوازه وحله فقد أتى بدعة منكرة ، إذ أنه وجد في زمان الرسول – صلى الله عليه وسلم – المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليتراجعا ، ولما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه ، دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها .

وأما في العادات فمثل : لبس الصوف عبادة وحلق الرأس على وجه التعبد في غير نسك ولزوم زي واحد وجعله ديناً وقربة ومن ذلك لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة .. ونحو ذلك ، مع أن الأصل في الأفعال العادية عدم التحريم وكذلك في المعاملات ، ولكن لما ألحق المبتدع إليها أوصافاً ليست لها من قبل الشارع كاعتقاده التقرب بهذا العمل ، وجعله ديناً وعبادة ، أو إلحاق حكم شرعي بالندب أو الوجوب أو الجواز ، وليس له هذا الحكم من جهة الشرع كان هذا هو سبب اعتبار هذه الأعمال وأمثالها بدعاً في دين الله .

وهذا الذي مضى هو قسم البدع الفعلية ، وأما البدع التركية ،فإن الحديث عنها فيما يلي :

وسيكون الكلام عن الترك هنا على قسمين :

1-      الترك من قبل الشارع .

2-      الترك من قبل المكلف .

القسم الأول : الترك من قبل الشارع :

ويراد به أحد معنين :

المعنى الأول :

المطلوب تركه من قبل الشارع ، وهو المنهي عنه ، أو هو غير المأذون به ، وهو المكروه والممنوع ، فتركه – صلى الله عليه وسلم – ونهيه عنه دال على مرجوحية الفعل وبطلانه وعدم جوازه .

وأصل هذا قوله – صلى الله عليه وسلم –: ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ... الحديث ) .

قال ابن رجب : ( قال بعض العلماء : هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر ؛ لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه ، والأمر قيد بحسب الاستطاعة ) .

وهذا المعنى يشمل سائر المنهيات من المعاصي والبدع ، فأما المعاصي المنهي عنها فكثيرة ، وليس هذا محل الحديث عنها ، وأما البدع فقد جاء طلب تركها من الشارع بألفاظ عامة مطلقة ، وفي أوقات كثيرة ، كقوله – صلى الله عليه وسلم – : ( .. وإياكم ومحدثات الأمور ) فتكون غير مأذون بشيء منها مطلقاً ، وحكمها دائر بين التحريم والكراهة ، ولا تخرج عن ذلك بحال ...

المعنى الثاني :

وهو أن يترك الشارع الفعل مع وجود مقتضاه وعدم المانع منه .. وقد يسمى بالمسكوت عنه ، أو السنة التركية ، وحده الذي له تعلق بموضوع البدعة هو : ( أن يسكت الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن الفعل غير الجبلي ، مع قيام المقتضى وعدم المانع ) .

فنسبة السكوت إليه – صلى الله عليه وسلم – قيد ، يخرج به سكوت وترك غيره فإنه لا يعد سنة تركية .

ووصف الفعل بغير الجبلي : قيد يخرج به الفعل الجبلي ، فإن ما فعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أو تركه مما يظهر فيه أنه جرى الجبلة كالأكل والشرب والقيام والقعود والنوم وقضاء الحاجة ، فهو على الإباحة له – صلى الله عليه وسلم – ولأمته .

ويقصد بالإباحة في الأفعال الجبلية ما يجري على الطبع البشري ، كأكله وقت الجوع ، وشربه وقت عند الظمأ ، ونومه بعد التعب ، ونحو ذلك .

ولا يدخل في هذا المعنى ما شرعه – صلى الله عليه وسلم – من أقوال وهيئات تكون مع هذه الأفعال الجبلية ، بل قد تكون واجبة كالأكل باليمين ، أو مندوبة كالنوم على طهارة ، ويخرج بهذا القيد – أقصد وصف الفعل بغير الجبلي – ما فعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اتفاقاً ، مثل نزوله لقضاء حاجته أثناء نسك الحج ، فإن هذا ما جرى على الجبلة ، وليس من السنة التي يقتدى به فيها .

وكذلك ما تركه – صلى الله عليه وسلم – اتفاقاً فإنه يلحق بهذا ، وما تركه بمقتضى الجبلة لا يعد من السنة التركية ، كتركه – مثلاً – الشرب أثناء طوافه – صلى الله عليه وسلم – لعدم احتياجه إليه ، فهذا الترك لا يعد سنة تركية .

وخرج بقيام المقتضى : سكوته – صلى الله عليه وسلم – عن الفعل مع عدم المقتضي إليه ، فهذا لا يكون سنة تركية ، بل يجوز أن يفعل بدليل آخر كالقياس والمصلحة المرسلة .

فإذا سكت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الفعل مقتضاه قائم ، كزيادة التقرب إلى الله بعمل ما ، فإن هذا المقتضى موجود في حياته – صلى الله عليه وسلم – فتركه لهذا الفعل مع وجود مقتضاه يدل على أن المشروع هو الترك ، وبعبارة أخرى : ألا يأتي النبي – صلى الله عليه وسلم – بالفعل مع وجود الداعي إليه ، كالأذان لصلاة العيد ، فإنها – أي صلاة العيد – مشروعة أن تؤدى في جماعة ، وهذا يحتاج إلى نوع من الإعلام بها ، والمعهود في الصلاة أن يكون الإعلام بها بالأذان ، ومع كل هذا فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يأمر بالأذان لصلاة العيد ، فهذا سكوت عن فعل ، وترك لعمل مع وجود الداعية إليه ، وفيه دلالة على أن عدم الأذان لصلاة العيج سنة تركية .

وفي الحقيقة أن كل البدع التي يحدثها المخترع في الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات تدخل تحت هذا المعنى ، من قريب أو من بعيد إذ غاية ما يرجوه المبتدع ببدعته تحصيل قربة ، وزيادة أجر ومثوبة بعمل يعتقد أنه مشروع ، وهو ليس كذلك.

وكل هذه مقتضيات موجودة في عهده – صلى الله عليه وسلم – وواجب عليه أن يبلغ أمته طرق القربات ، وأنواع العبادات ، وأن يشرع لهم الواجبات والمندوبات ، وأن لا يكتم من ذلك أي شيء ، وقد فعل – بأبي هو وأمي – فلم يكتم شيئاً مما أمر ولم يسكت عن خير يقربنا من ربنا سبحانه ، وهو معصوم – صلى الله عليه وسلم – من الكتمان وقت الحاجة ، مع حرصه على خير أمته في العاجل والآجل ، ووقته وقت تشريع ووحي وبيان ...

فإذا علم هذا واستقر ، تبين أن كل أمر عبادي يراد به القربة من الله وهو مقتضى عام موجود في عهده – صلى الله عليه وسلم – وليس هناك مانع من عمل هذا الأمر العبادي ، ومع ذلك لم بعمله النبي – صلى الله عليه وسلم – ولم يشرعه ، فإن ذلك دليل على تركه هو المطلوب ، وهو السنة وأن فعله هو المنهي عنه وهو الابتداع .

قال الشاطبي في الموافقات : ( أن يسكت عنه – أي الشارع – وموجبه المقتضي له قائم ، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان ، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص ، على أن قصد الشارع ألا يزاد فيه ولا ينقص ؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجوداً ، ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه ، كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ، ومخالفة لما قصده الشارع ، إذ فهم من قصده الوقوف على ما حد هنالك ، لا الزيادة عليه والنقصان منه ) .

وخرج بشرط انتفاء المانع : سكوته وتركه للفعل من أجل مانع ، كتركه – صلى الله عليه وسلم – صلاة التراويح جماعة مخافة أن تفرض على أمته ، فلما توفاه الله إليه زال المانع ، وانتفى هذا المحذور ، وكذلك تركه – صلى الله عليه وسلم – جمع القرآن في مصحف واحد ، من أجل نزول الوحي ، فلما توفي زال هذا المانع ..

فلا يعتبر الترك الذي كان بسبب مانع من السنة التركية .

قال شيخ الإسلام في معنى هذا الحد ومحترزاته : ( .. فأما ما كان المقتضي لفعله موجوداً لو كان مصلحة ، وهو مع هذا لم يشرعه ، فوضعه تغيير لدين الله ، وإنما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدين من الملوك والعلماء والعباد أو من زل منهم باجتهاد – إلى أن قال – فمثال هذا القسم : الأذان في العيدين ، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون ، لأنه بدعة ، فلو لم يكن كونه بدعة دليلاً على كراهته ، وإلا لقيل هذا ذكر الله ، وداء للخلق إلى عبادة الله ، فيدخل في العمومات كقوله تعلى : [ اذكروا الله ذكراً كثيراً ] ، وقوله تعالى : [ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ] ، أو يقاس على الأذان في الجمعة ، فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع ، بل يقال : ترك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع وجود ما يعتقد مقتضياً وزوال المانع سنة ، كما أن فعله سنة ، فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة ، كان ترك الأذان فيهما سنة ، فليس لأحد أن يزيد في ذلك ، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات ، أو صيام الشهر أو الحج ، فإن رجلاً لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات ، وقال : هذا زيادة عمل صالح ، لم يكن له ذلك ، وكذلك لو أراد أن ينصب مكاناً آخر يقصد الدعاء لله فيه وذكره لم يكن له ذلك ، وليس له أن يقول هذه بدعة حسنة ، بل يقال له : كل بدعة ضلالة ، ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهياً خاصاً عنها ، أو نعلم ما فيها من المفسدة ، فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لوكان خيراً فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتاً على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، ومع هذا لم يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس ) .

أما إذا سكت الشارع أو ترك الفعل ولا داعية له مقتضية ، ولا موجب يقرر لأجله ، ولا وقع سبب يوجب تقريره ، وليس هناك مانع شرعي من فعله فلا يخلو من أحد حالين :

الأول :

أن يكون هذا المتروك أو المسكوت عنه من العبادات المحضة التي لا يعقل معناها على التفصيل ، فلا يجوز فعل هذا المتروك لأن فعله هو عين الابتداع ...

وسبب ذلك أنه وإن توهم فاعله أن هذا النوع مما يسكت عنه الشارع ، وتركه عفواً ، فإن الأمر بخلاف ذلك تماماً ، إذ غاية ما يسعى إليه المبتدع في هذا النوع أن يحصل على مزيد قربة بتعبده بهذا العمل ، وهذا المعنى موجود في وقت التشريع .

والقربة والتعبد لله مقتضى يوجب تحصيل هذا الفعل ، لو كان مراداً لله شرعاً ، فإذا لم يشرعه فهذا دليل على أنه في حقيقته ليس بقربة ولا عبادة صحيحة وإن تخيل المبتدع ذلك .

الثاني :

أن يكون المتروك مما هو معقول المعنى وليس هناك مقتضى لفعله أو سبب محوج لتقريره في عهد التشريع ، فهذا إذا حدث أو حصل ما يوجب حدوثه فإنه يرجع إلى أصول الشريعة وكلياتها ، للنظر فيه وإثبات حكم شرعي له ، بالقياس أو الاستصلاح ، أو غير ذلك من الأصول والقواعد والكليات الشرعية .

( كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها ، وإنما حدثت بعد ذلك ، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها ، وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها الدين وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح ، مما لم يسنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على الخصوص ، وهو معقول المعنى ، كتضمين الصناع ... والجد مع الإخوة ، وعول الفرائض ، ومنه جمع المصحف ثم تدوين الشرائع ، وما أشبه ذلك مما لم يحتج في زمانه – صلى الله عليه وسلم – إلى تقريره ..).

ومن هذا الوجه سمي مسكوتاً عنه ، وإلا ففي الحقيقة ليس ثم مسكوت عنه بحال ، بل هو إما منصوص وإما مقيس على النصوص ، وإما له من عمومات النصوص وقواعد الشريعة ومقاصدها ما يدل على حكمه ، وكل هذه من جملة الأدلة الشرعية فلا نازلة إلا ولها في الشريعة محل حكم .

 

القسم الثاني : الترك من قبل المكلف :

وهي عدة أنواع :

النوع الأول :

أن يترك ما أمره الشارع بتركه ، وهذا من العبادة لله – سبحانه – ولكن لا بد من نية في هذا المتروك إذ : ( ... كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية ... فإذا نوى تركها لله ثم فعلها ناسياً لم يقدح نسيانه في أجره بل يثاب على قصد تركها لله ... ) .

النوع الثاني :

أن يكون الترك لأمر يعتبر مثله شرعاً وهذا على أقسام :

الأول : أن يترك من المباح ما يضر بجسمه أو عقله أو دينه ، مثل أن يترك الطعام الفلاني لأنه يضر بجسده ، فلا مانع من هذا الترك ، بل من قال بطلب التداوي يقول بطلب الترك هنا ، ومن قال بإباحة التدواي جعل هذا الترك مباحاً .

الثاني : ترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس ، مثل ترك المتشابه كالمختلف في حله وتحريمه أو إباحته ، ومنعه من الأعيان المطعومة والمشروبة والملبوسة ، والمعاملات وغير ذلك ، مما لم يشتهر بكونه حلالاً أو حراماً ونحو ذلك ، مما يدخل تحت مسمى المتشابه ...

فترك هذا المشتبه من صفات المتقين وعلامات الصالحين كما قال – صلى الله عليه وسلم – : " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " ، ومن هذا القسم ترك المباح الصرف لما هو أفضل ، لا من باب تحريم ما أحل الله ولكن من باب الزهد والتخفيف من المباحات فهذا من الفضائل خصوصاً إذا خشي الاشتغال بها عن ما هو أفضل منها ، ولم يعتقد حرمتها أو كراهتها أو الامتناع عنها بتاتاً ، فإن اعتقد ذلك فيما هو مباح فقد ابتدع .

الثالث : أن يترك المباح الذي يكرهه طبعه ، وهذا لا حرج فيه بشرط أن لا يعتقد حرمة أو كراهة هذا المباح ، وأصل هذا امتناع الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن أكل الضب ، ففي البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما عن خالد بن الوليد رضي الله عنه : ( أنه دخل مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ ، فأهوى إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيده ، فقال بعض النسوة : أخبروا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بما يريد أن يأكل ، فقالوا : هو ضب يا رسول الله فرفع يده ، فقلت : أحرام هو يا رسول الله ؟ فقال : " لا ، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه " ، قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينظر ) .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضاً : أن أضباً ( دعا بهن النبي – صلى الله عليه وسلم – فأكلن على مائدته ، فتركهن النبي – صلى الله عليه وسلم – كالمعتذر له ، ولو كان حراماً ما أكلن على مائدته ولا أمر بأكلهن ) .

فهذا من ترك المباح بحكم الجبلة والطبع ولا شيء فيه .

ويمكن أن يدخل تحت هذا القسم : الترك لحق الغير كما في تركه – صلى الله عليه وسلم – أكل الثوم والبصل لحق الملائكة ، ففي البخاري وغيره عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : " من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا ، أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته " ، وإنه أتي ببدر – قال ابن وهب – يعني طبقاً فيه خضروات من بقول – فوجد لها ريحاً ، فسال عنها فأخبر بما فيها من البقول فقال : " قربوها " ، فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها قال : " كل فإني أناجي من لا تناجي " .

وفي الحلية لأبي نعيم بسنده عن علي رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : " كل الثوم نيا ، فلولا أن الملك يأتيني لأكلته " ، وفيها عن علي قال : ( أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأكل الثوم وقال : " لولا أن الملك ينزل علي لأكلته " ) .

النوع الثالث من أنواع الترك :

أن يكون الترك لأمر غير معتبر شرعاً وهو على قسمين :

الأول : أن يترك المأمور به بغير قصد التدين أو القربة ، إما لكسل أو تهاون أو تضييع وما أشبه ذلك من الدواعي النفسية ، فهذا الترك معصية ولا يسمى بدعة ، وهذا الترك يصير عاصياً بتركه لهذا العمل المشروع ، مع اختلاف درجات الإثم والعقوبة باختلاف درجات المتروك من حيث الفرضية والوجوب والندب .

الثاني : أن يترك المباح أو المأمور به بقصد التدين والتعبد بهذا الترك ، سواء كان في العبادات أو المعاملات أو العادات ، بالقول أو الفعل أو الاعتقاد ، فهذا الترك هو محل الابتداع إذ يعد عاصياً مبتدعاً بتركه هذا ، وأصل هذا القسم في قصة الثلاثة الذين منعوا أنفسهم من بعض المباحات للتقوي على العبادة ، ففي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – يسألون عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم – فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها ، قالوا : أين نحن من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ ، قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبداً ، وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الآخر : وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً ، فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إليهم فقال : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه لهذا الحديث : ( قوله : " فمن رغب عن سنتي فليس مني " ، المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض ، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره ، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ، ولمّح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله – تعالى – وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه ، وطريقة النبي – صلى الله عليه وسلم – الحنفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم ، وينام ليتقوى على القيام ، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل – إلى أن قال معدداً فوائد هذا الحديث ومنها – إزالة الشبهة عن المجتهدين ، وأن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة أو الاستحباب ) .

وقال شيخ الإسلام بعد ذكره لهذا الحديث : ( فإذا كان هذا فيما هو جنسه عبادة ، فإن الصوم والصلاة جنسها عبادة ، وترك اللحم والتزويج جائز ، ولكن لما خرج في ذلك عن السنة فالتزم القدر الزائد على المشروع ، والتزم هذا الترك المباح كما يفعل الرهبان ، تبرأ النبي – صلى الله عليه وسلم – ممن فعل ذلك حيث رغب عن سنته إلى خلافها .

وقال في موطن آخر بعد أن أورد هذا الحديث : فبين (– صلى الله عليه وسلم – أن مثل هذا الزهد الفاسد ، والعبادة الفاسدة ليست من سنته فمن رغب فيها عن سنته فرآها خيراً من سنته فليس منه ) .

ومثل حديث الثلاثة السابق مارواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( أن رجلاً أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي ، فحرمت عليّ اللحم ، فأنزل الله تعالى : [ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً ] ) .

ومثلها حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( بينما النبي – صلى الله عليه وسلم – يخطب ، إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ، ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه " .

قال شيخ الإسلام بعد ذكر هذا الحديث : ( فأمره النبي – صلى الله عليه وسلم – بالصوم وحده لأنه عبادة يحبها الله – تعالى – وما عداه ليس بعبادة وإن ظنها الظان تقربه إلى الله تعالى ) .

وقال في موضع آخر : ( فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية ، أمره بفعل المشروع وهو الصوم في حقه ، ونهاه عن فعل غير المشروع ) .

ومن هذا الباب مارواه البخاري عن قيس بن أبي حازم قال : ( دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب ، فرآها لا تتكلم ، فقال : ما لها لا تتكلم ؟ ، قالوا : حجت مصمتة ، قال لها : تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية ، فتكلمت فقالت : من أنت ؟ قال : امرؤ من المهاجرين ... ) الأثر ، قال شيخ الإسلام بعد استشهاده بهذا الأثر على وجوب مخالفة طريق أهل الجاهلية ، ( ومعنى قوله : من عمل الجاهلية أي مما انفرد به أهل الجاهلية ، ولم يشرع في الإسلام فيدخل في هذا : كل ما اتخذ من عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به ، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام وإن لم ينوّه عنه بعينه كالمكاء والتصدية – إلى أن قال – فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام .

وقال الحافظ ابن حجر عند شرحه للحديث السابق ( والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه وكذا المباح المستوى الطرفين ) .

وكذلك بروز المحرم وغيره للشمس حتى لا يستظل بظل ، أو ترك الطواف بالثياب المتقدمة ، أو ترك كل ما عمل في غير المحرم ... ) .

فهذه مجموعة أحاديث تبين الترك لما هو مشروع أو مباح بقصد القربة إلى الله بذلك بدعة .

وقد مر أن الترك البدعي ، أو البدعة التركية تقع في العبادات المحضة والمعملات والعادات ، كما أنها تكون في الاعتقاد والقول والفعل ، ولعل في الأحاديث السابقة ما يدل على بعض هذا ولكن لا بأس من ذكر بعض الأمثلة لكل قسم من هذه الأقسام للتوضيح :

1-      ترك في العبادات :

قال ابن القيم : ( ... ما أكثر من يتعبد الله بترك ما أوجب عليه فيتخلى وينقطع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته عليه ، ويزعم أنه متقرب إلى الله – تعالى – بذلك ، مجتمع على ربه تارك ما لا يعنيه ، فهذا من أمقت الخلق إلى الله – تعالى – وأبغضهم إليه مع ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان ، وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه ) .

ومن أمثلة هذا الترك ما يزعمه ملاحدة الصوفية من سقوط التكاليف عن العارف وجواز تركه للوحي ولوازمه استغناء عنه بالعلم اللدني .

ومن أمثلته ترك الرافضة المسح على الخفين .

2-      الترك في المعاملات :

مثل ترك الزواج ، وترك زيارة الأرحام ، وترك كسب الرزق لأجل الانجماع للعبادة والخلوة من أجل مزيد القربة ونحو ذلك ، مما يفعله المتصوفة ويعتقدونه ديناً وطاعة لله .

ومثل ترك بيعة إمام المسلمين وترك طاعته لمجرد الوقوع في الظلم أو الفسق كما يعتقد الخوارج والمعتزلة ..

وكترك الخوارج مؤاكلة المسلمين ، ومبايعتهم ، ومناكحتهم ، وغير ذلك ..

3-     الترك في العادات :

    كالامتناع عن اللحم والماء والخبز تديناً وقربة ، وكذلك الامتناع عن الكلام .

قال شيخ الإسلام : ( ... فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها ، وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء ، فذلك من البدع المذمومة أيضاً ) .

وقال : ( ... وإن كان خالصاً في نيته لكنه يتعبد بغير العبادات المشروعة مثل الذي يصمت دائماً أو يقوم في الشمس أو على السطح دائماً ، أو يتعرى من الثياب دائماً ويلازم لبس الصوف أو لبس الليف ونحوه ، أو يغطي وجهه أو يمتنع عن أكل الخبز أو اللحم ، أو شرب الماء ونحو ذلك ، كانت هذه العبادات باطلة ومردودة ، كما ثبت في الصحيح عن عائشة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ، وقال : ( .. والصمت وملازمة لبس الصوف والتعري والقيام في الشمس ، أو لبس الليف أو أن يغطي وجهه ويمتنع من أكل الخبز واللحم أو شرب الماء ونحوه ، كله بدعة مردودة ليست من الدين ) .

وقال ابن القيم – عند حديثه عن تحير المبتدعة بين الفعل والترك : ( وأن بعضهم يتعبد بترك ما له فعله كترك كثير من المباحات ويظن ذلك حقاً عليه ، أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقاً عليه .

ومثال الأول : ممن يتعبد بترك النكاح ، أو ترك اللحم أو الفاكهة مثلاً ، أو الطيبات من المطاعم والملابس ويرى – لجهله – أن ذلك مما عليه ، فيوجب على نفسه تركه ، أو يرى تركه من أفضل القرب وأجل الطاعات وقد أنكر النبي – صلى الله عليه وسلم – على من زعم ذلك ، ثم ذكر ابن القيم حديث الثلاثة الذين تقالّوا عبادة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وقال بعده : فتبرأ ممن رغب عن سنته ، وتعبد لله بترك ما أباحه لعباده من الطيبات رغبة عنه واعتقاداً أن الرغبة عنه وهجره عبادة ... ) .

أما وقوع الترك في الاعتقادات والأقوال والأفعال ففي الأمثلة السابقة ما يدل على ذلك ، ولكن لا بأس من ذكر بعض الأمثلة لكل قسم من هذه الأقسام على حده :

1-      البدع التركية في الاعتقادات :

كل اعتقاد كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ومن تبعهم من السلف الصالح ، فإنه يجب الأخذ به والملازمة له ؛ لأنه هو الأصح والصواب والأسلم وعليه فإنه يتضح أن كل فرقة من فرق الابتداع قد تركت شيئاً أو أشياء مما كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وهذه بعض الأمثلة :

الرافضة تركت اعتقاد محبة أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وموالاتهم .

والخوارج تركوا طاعة إمام المسلمين المسلم .

والمرجئة تركوا اعتقاد دخول العمل في الإيمان .

والجهمية تركوا اعتقاد الصفات لله – سبحانه وتعالى – .

وكل فرقة من الفرق الضالة تركت بعض الحق واعتنقت مكانه باطلاً .

2-     البدع التركية في الأقوال :

كترك المتصوفة لسماع القرآن والحديث ، والاستعاضة عنهما بالغناء والرقص والأوراد المبتدعة كصلاة الفتوح ونحوها ، وكتركهم للأذكار الشرعية واستبدالها بأذكار طرقهم البدعية المليئة بالشركيات والبدع .

ومن هذا الباب ترك ألفاظ الكتاب والسنة ومصطلحاتهم ، كما يفعل أهل البدع الكلامية .

3-     البدع التركية في الأفعال :

مر ذكر طائفة منها كترك الزواج واللحم والنوم والظل ، وترك شرب الماء وأكل الفاكهة ولبس المباح من الثياب ، وترك العبادات المالية والبدنية بحجة سقوط التكاليف كما يقول ملاحدة التصوف .. وغير ذلك .

وليس المقصود في هذا المقام الحصر والاستقصاء إنما التمثيل والاستشهاد ولعل فيما مضى ما يفي بهذا الغرض ويؤدي هذا المراد ...