فقد نبتت في ذلك المرتع الوخم ، ثم تدرجت في دركات الشرك والكفر وقطعت فيها أشواطاً بعيدة ، فأصولها ثابتة في طينة تأليه الإنسان وأعماله ، وجحد ربوبية الله تعالى وألوهيته والتهكم والسخرية به تعالى وبدينه وبرسله وكتبه وبالغيب والقدر والشرائع ، وفروعها مثمرة بشوك الإلحاد والدعارة والفساد .
ومطالعة يسيرة في كتب البياتي والخال ودرويش وقباني وأدونيس وباروت والجابري وأنسي الحاج وأركون وبسيسو ونوال السعداوي وتوفيق صايغ وتوفيق زياد وجبرا وبو جدرة ومحمد شكري ونصر حامد أبو زيد وحسن حنفي وخليل حاوي وغيرهم وغيرهم تؤكد ذلك .
ولم يقتصر موقفهم على امتداح الكفر والوثنية بل تعدى ذلك إلى الافتخار والاعتزاز بها كقول أدونيس :
( أسير في الدرب التي توصل اللهَ
إلى الستائر المسدلة
لعلني أقدر أن أبدله ) .
وقوله في وقاحة إلحادية صلعاء :
( أنا المتوثن والهدم عبادتي ) .
وقد مر معنا في غير موضع من هذا الفصل والذي سبقه ما يدل بصراحة على امتداحهم للكفر والإلحاد والوثنية والجاهلية واحترامهم لها { ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } .
ففي مقال عن العلمانية تؤكد كاتبته أن الحداثة والعلمانية تنزع القداسة عن كل شيء وخاصة عن الله تعالى ، ليصبح الإنسان هو الإله المقدس ، ثم تضيف بعد مدحها وإشادتها بالحداثة والعلمانية : ( والعلمنة لاتعني الإلحاد وإنّما تعني حرية الاختيار ... فالكثير من العلمانيين مؤمنون حقيقيون ) .
وفي إشادة تضيف قائلة : ( كانت خطورة إخراج الجنس والجسد من ظلمات المحرم إلى علنية اللغة وعلنية الممارسة مفصلاً جوهرياً في سقوط المقدس ) .
وتقول : ( حداثة الغرب النهضوية والعقلانية والعلمية كانت مفصلاً تاريخياً هاماً في حياة البشرية أعادت الاعتبار للإنسان ) .
ولولا خشية الاستطراد والخروج عن حدود البحث لأوردت من كلام العلمانيين الأقوال التي تثبت احترامهم للعلمانية إلى حد التقديس ، وامتداحهم للكفر والضلال والوثنية والجاهلية ، المتمثلة في الأنماط العلمانية المختلفة ، وحربهم - في الوقت نفسه - للإيمان والإسلام والشريعة والوحي .
ومما سبق ذكره عدة مرات ثناء أحد منظري الحداثة على الوثنية اليونانية باعتبارها أساساً للتحديث والتعددية ، وذمه للتوحيد والإيمان بالله باعتبارها أساساً للتخلف والرجعية .
وقد وصل الأمر بالحداثيين إلى حد الاعتراف والمفاخرة بالإلحاد صراحة ، كما قال رشيد بو جدرة الجزائري قدوة الحداثيين : ( ... إننا نتجه نحو الحكم العلماني ؛ لأن الدولة عندنا علمانية أصلاً ، إذ تدرس في السنوات الابتدائية الأولى بعض السور القرآنية ، لينتفي بعدها كل توجيه ديني .
رأينا أثر الاستقلال ، اتجاه الدولة نحو السماح لمن لايصوم بالأكل علنا ، وصدرت فتوى من إمام الجزائر أعفت عمال المجمعات الصناعية الكبرى - صناعات الحديد والبترول - من فريضة الصوم ، فكان أن ساد المدن نوع من التسامح ، واعتاد الناس ارتياد المقاهي والمطاعم ، ... وتجد حتى اليوم في العاصمة مطعمين أو ثلاثة تقدم الطعام في رمضان .
صحيح أنه لايُمكن للملحدين وغير المؤمنين اليوم المطالبة بشيء ، لكن هناك محاولة حالياً لتشكيل اتحاد ملحدين جزائريين يمكنهم الدفاع عن أنفسهم كجماعة ، يكفيها شيء من الإقدام والجرأة لتفرض احترامها ، هناك الكثير ممن يتظاهرون باحترام فريضة الصوم ، يبرحون مكاتبهم وأمكنة عملهم للتدخين في بيوت الخلاء فهذا مذل .
نحن الأقلية المظلومة - يقصد الملاحدة - يعترى التباعد علاقاتنا مع السلطة خلافاً للمسلمين المؤمنين ، فمن السهل أن تكون مسلماً في هذه البلاد ولكن من الصعوبة بمكان أن تكون ملحداً ، وعندما أتكلم عن أقلية غير مؤمنة أقصد أناساً من فئة المثقفين معروفة بتوجهاتها الماركسية ... ) .
ومن أشباه هذا اللون الفاقع في الاعتراف والافتخار بالإلحاد قول حسن حنفي عن نفسه مناقشاً أحد العلمانيين الذين اتهموه !! بالسلفية والتراثية والإيمان !! فأجاب حسن حنفي : ( ... أنت تعني الإيمان السلفي التأريخي ... الخ والمتوارث عبر التاريخ ، وهو الشيء الذي تخافه علي ، لذلك فإن إيماني يكفرني ، كما أنه يكفرك أيضاً ... نحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن نحاول أن نخرج من الإيمان السلفي ، إلاّ أنهم أطول باعاً في التاريخ منا وأكثر رسوخاً ووراءهم تراث حضاري ضخم ، ونحن الأقلية كيف نستطيع أن نحجم هذا الأخطبوط الكبير ؟ ... أعتقد أن الأخوة العلمانيين يستعجلون
التقدم ، إنهم يريدونه إيجاباً فقط ، وأنا أريد أولاً أن أمنع عوائق التقدم ، أي أعمل للتقدم سلباً إذا جاز التعبير ، فإذا ما استطعت ذلك ، عندئذٍ أسلم المجتمع العربي إلى الإخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجاباً ، ومن ثم ، فأنا مقدم لهم ، أنا ماركسي شاب ، وهم ماركسيون شيوخ ، هذا تقسيم لأدوار العمل ... ، وفي ما يتعلق بمضمون الوحي وحادث الوحي ، فكما بينت لكم ، أنا مفكر وضعي ، أقصد أنا وضعي منهجي ولست وضعياً مذهبياً ، إن كل مايخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين ... ) .
ويقول أيضاً : ( ... لاتطالبني بأن أبحث في مقدمات النظرية التي تستهلكني وأن أنسى قليلاً الممارسات العملية ، وأنا هنا ماركسي أكثر من الماركسيين ، ان الحزب البروليتاري هو الوريث الوحيد للأفكار ) .
وفي الذي يسمونه شعراً حديثاً من ألفاظ الامتداح والافتخار بالردة والجحود والاستكبار على دين الله ، ما يعطي صورة جلية عن موقف الحداثيين من دين الإسلام شريعته وعقيدته وحضارته وتاريخه وقيمه وسائر مقوماته .
ومن أمثلة ذلك أقوال البياتي الذي سبق نقلها وفيها أنه كان يعبد آلهة الماضي ثم تخلى عنها وتمرد عليها ، ثم دعوته للثورة على الدين تحت مسمى :
( ثر على الطغاة والآلهة العمياء
والموت بالمجان والقضاء ) .
ويمتدح الخال مباديء الماركسية الإلحادية ويبجلها مقراً بمضونها قائلاً :
( لا نور لا ظلام لا إله ) .
ويلتصق جبرا إبراهيم جبرا بمتاهته الاعتقادية ، ويمتدح استمساكه بها وإصراره عليها ، قائلاً تحت عنوان “ دهاليز ” :
( ما كنت ، لا ما كنت لأبغي
فراراً من متاهتي
متاهة أهلي رفقتي ) .
ونحو قول الخال السابق قول نظيره النصراني الآخر توفيق صايغ :
( يأتين إن يأتين في ركب إله
ولا إله
تقنص خطو إله
ولا إله ) .
ونحوه قوله :
( عادت لقريتها ولا قيد ولا جناح ولا حيوان ولا إله ) .
ويتحدث عن نفسه جاحداً وجود الإله العظيم القهار ، مفتخراً بذلك حيث يقول :
( لففت العباءة حولي
تعكزت إلى القفر
إلى قمتي الجرداء
حيث الغبار ولا الإله ) .
ويقر بالهرطقة والإلحاد ويجعل ذلك ديناً له في قوله :
( حبي لك احتلام وديني هرطقة ) .
ويشهد على نفسه بأن قلبه خالٍ من الإيمان بالله في سياق افتخاره بذلك ، وذلك في قوله :
( قفص قلبي ، ولا طير ، طير ولا قفص
قلبي عرش والمليك غاب
لم يغيبه انقلاب
قلبي بحر لم يعد يمشي عليه الألم
طارد الإله من بعد ، وإمّا قضى
احتوى جثمانه ، ثلاث ليال
قلبي قبر أفلت منه جثمان الإله ) .
ومن أنماط امتداح الكفر وتهوين أمره وجعله شيئاً عادياً بل شيئاً محموداً قول سعدي يوسف :
( حبيبتي كافرة إنها لم تتخذ غير الهوى دينا )
ومن الاجتراء على الكفر والإلحاد : الاستخفاف بكل ما يتعلق بالله تعالى كقول أمل دنقل :
( خصومة قلبي مع الله ليس سواه ) .
بل وصل به الأمر إلى حد تمجيد الشيطان وامتداحه والثناء عليه لاستكباره على أمر الله وتمرده على مولاه ، ولاريب أن هذا الثناء على المتبوع الأكبر للحداثيين له أكبر الدلالة على عظم وفضاعة الانحراف الذي وصلت إليه الحداثة وأصحابها ، يقول دنقل :
( المجد للشيطان معبود الرياح
من قال “ لا ” في وجه من قالوا “ نعم ”
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال “ لا ” فلم يمت
وظل روحاً أبدية الألم ) .
أمّا نزار قباني فيعترف بإلحاده وكأنه يعترف بالفضيلة والصلاح :
( ماذا أعطيك ؟ أجبني قلقي ؟ إلحادي ؟ غثياني )
وهكذا بكل استهانة بل وبكل افتخار يشهد على نفسه بالإلحاد ، ومثل ذلك قوله في مقطع آخر :
( يا طعم الثلج وطعم النار
ونكهة كفري ويقيني ) .
وقوله :
( أعطيني الفرصة حتى أقنع حتى أؤمن حتى أكفر ) .
وقوله :
( ماذا تشعرين الآن هل ضيعت إيمانك مثلي
بجميع الآلهة ، وتقاليد القبائل ) .
وهكذا تصوغ الحداثة الكفر والإلحاد والردة والوثنية في عبارات أقل ما يفهم منها أنها تهوّن هذه الأمور ، وتجعل الاعتراف بها أمراً بسيطاً لا أثر له ولا ضرر ، بل يفهم منها أنها تحرض على الكفر والإلحاد وتحث عليه بمقدار ما تحذر من الإيمان والإسلام وتنفر منه ، نحو قول قباني :
( من بعد موت الله مشنوقاً على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة ) .
وقول محمود درويش :
( يوم كان الإله يجلد عبده
قلت يا ناس نكفر ) .
وللشيوعي معين بسيسو مقطوعة بعنوان “ المرتد ” فيها عبث بهذا المصطلح واستخفاف بمدلوله وامتداح لرأس الماركسية وطاغوتها لينين .
وله مقطوعة يفتخر فيها بأن من ورّاث أبي لهب وزوجته ، ويستهين فيها بالقرآن وبعذاب الله الذي توعد به الكافر وزوجته ، وذلك في قوله :
( ورثت عن أبي لهب
وزوجه ، حمالة الحطب
ورثت جمرة وحبلاً من مسد
الحبل في أيدكمو
والجمر في يدي ) .
وقد قبس بعض هذا المعنى أحد أتباع الحداثة المحليين فظهر في أسمال الدفاع عن المرأة التي يراها مظلومة منذ أن نزل القرآن العظيم بسورة تبت التي تحدثت عن امرأة أبي لهب ، فاعتبر الحداثي ذلك
من الامتهان للمرأة وأن ذلك الامتهان في نظره حولها إلى سلعة تشتري وتباع وخاصة بعد ظهور القناع الذي هو الحجاب الإسلامي الذي شرعه الله للمؤمنات ، يقول مـ، ضمن مقطوعة بعنوان “ مفردات ” :
( اخرجوا فالشوارع غارقة
والملوحة في لقمة العيش
في الماء في شفة الطفل
في نظرة المرأة السلعة
الأفق متسع والنساء سواسية
منذ تبت وحتى ظهور القناع
تشتري لتباع وتباع
وثانية تشترى لتباع ) .
فهذا النص والذي قبله يدلان على احترام الحداثيين للكفر وأهله ودفاعهم عنهم ، واتخاذهم رموزاً يعكسون على أشخاصهم عقائدهم وأفكارهم وموافقهم العملية ، في مسعى دائب لهدم الإسلام والخروج على أحكامه وشرائعه ، وفيها إحياء الوثنية والجاهلية الأولى واستمداد جذور تاريخية واعتقادية من شخصيات ومواقف تلك الجاهلية ؛ لإنعاش الجاهلية المعاصرة التي حملتها العقول الصغيرة المتشربة روح المدنية الغربية بثقة عمياء واندفاع كبير ومحاكاة أكبر ، تبتديء من العقائد والأفكار والاتجاهات وتنتهي إلى الرموز والأشكال والأساليب الفنية ، ولقد اندرج هؤلاء مع أولئك في مخطط العداء لهذا الدين ، وتهافتوا معهم ضمن أكذوبة عالمية الأدب ، وإنسانية الفنون ، وسار بهم الدولاب الغربي في طريق العداء لتراثهم وأمتهم وحضارتهم ، وقبل ذلك كله عقيدتهم وملتهم .
وهكذا اندمجت شخصيات الحداثيين العرب في مخطط التنميط الأوربي عن طريق الغزو والاستلاب الثقافي والحضاري .
ومن كان يتصور أن أحداً ممن ينتسب إلى هذه الملة يعلن إلحاده ويفاخر به ؟ .
لقد صور هذا التناقض بين الموقفين سميح القاسم في قوله :
( أنا قبل قرون
لم أتعود أن ألحد
لكني أجلد
آلهة كانت في قلبي
آلهة باعت شعبي
في القرن العشرين ) .
ويذكر في موضع آخر كيف انتقل إلى ظلمات الإلحاد وتشرب الشيوعية :
( رفيقي آه يا إيفان
عميقاً كان صوت معلمي الجوال
وعذباً كان
همى مطراً على صحراء
تشربه إلى الأعماق
قلبي الأسود الصلصال
فأصبح وردة حمراء
وأصبح بعد عقم طال
جوهرة وكمثراة
وعصفوراً ، ومصباحاً على الطرقات
رفيقي آه يا إيفان
وصارت نكبة النكبات
جناحي ثورتي الحمراء باسم حبيـبي الإنسان
بكيت على أبي المغدور في دوار قريتنا
بكيت على حديقتنا
بكيت على رفاق طفولتي ، في وحشة المنفى
تلوت قصائدي الأولى
على جثث الحساسين
ودقت قبضتي باب السماء
ولذت بالدين
رثيت لوائي المدعوك بالطين
هجوت الشوك
يغتال الزنابق في بساتيني
سقطت لدى مزار الضوء
أعشى ضائع الخطوة
بلا حول ولا قوة
دعوت الأولياء الصالحين
فردت الوديان
إلهك كان يا هذا إلهك كان ) .
فهذا نمط من أنماط الاستلاب العقدي والانقلاب الفكري من عقيدة كان يؤمن فيها بالله إلى عقيدة تقول : لا إله ، وهو مثال على امتداح الكفر ومذاهبه ، ومجافاة الدين الحق وأهله .
ويعلن المقالح في إحدى المقطوعات بأنه ( كفر بكل عقيدة ) ، وأنه ( عبد وجه الكفر والإيمان وسجد للأوثان ) .
والفيتوري يستخدم لفظ السماء رمزاً للدين والوحي والإيمان ، ويعلن بأنه قد أصبح ( كافراً بالسماء والقضاء والقدر ) .
أمّا الحداثي العربيد محمد شكري فإنه يقرر على لسان أحد شخصيات مذكراته الشخصية الواردة بشكل روائي والتي سماها “ الخبز الحافي ” ، قال : ( ... كل هذا يحدث بسبب الخمر والنساء في بلد مسلم يحكمه النصارى لسنا مسلمين ولسنا نصارى ) .
أمّا صنوه بن جلون فإنه يقول في روايته ليلة القدر : ( ... أنا أستند حالياً إلى الحق في حرية التفكير وحرية الاعتقاد أو عدمه ، هذا لايعني سوى ضميري ... ) .
ويقول على لسان امرأة : ( ... إنني في قطيعة مع العالم أو على الأقل مع ماضي الشخصي ، لقد اقتلعت كل شيء إنني مقتلعة عن طواعية ، وأحاول أن أكون سعيدة ، أي أن أعيش حسب إمكانياتي ، بجسدي الخاص ، لقد اقتلعت الجذور والأقنعة ، أنا تيه لاتمسكه ديانة ، أسير لا مبالية وأعبر الأساطير
- هذا ما يدعى بالحرية
- نعم التجرد من كل شيء ، وعدم امتلاك أي شيء لكي لايملكني شيء ، حرة أي مستعدة ، سابقة على العقبات ، وربّما سابقة على الزمن ) .
أمّا سليل مدارس الإلحاد ، المتهوّك المفتون علاء حامد فقد أبدأ وأعاد من الإلحاد في روايته “ مسافة في عقل رجل ” ، وقرر مفتخراً باكتشافاته الجاهلية ، ممتدحاً فرحاً فرح الجعل بدحروجته ، قرر بأن الدين خرافات ، ولابد من صراع معه قبل أن يصرع الملايين ، وأنه لا رابط بين الحضارة والأديان بل اعتبر أن الأديان خرافات جعلت الإنسان في بدائية وتخلف .
ويؤكد في وقاحة وخبث بأن الإيمان بكل مافي الأديان مما يسميه نقائص تحت حجة حظر النقاش لكل أمر يصعب على العقل إدراكه ، هذا كله من الخرافات ، ومن الذبح للتقدم ومن الإرهاب الفكري الديني .
وفي صولاته الخائبة في الدفاع عن الإلحاد والكفر والمهاجمة للدين والإسلام خصوصاً ، يحاول بكل وسائله الكليلة الهابطة أن ينكر وجود الله صراحة ، لأن الله تعالى - حسب افتراءه - ينكره الأغلبية من البشر ، وأن الأقلية ما زالت تدرس وتتأمل .
ثم يستنتج من كل مقدمات الادعائية الخرافية الباطلة أن الإنسان أصبح بسبب اعتناقه للأديان مجرد قطعة شطرنج على لوح الأديان ، وأن الخلاص والتقدم في ترك الأديان ، وأن شعوباً بأكملها لاتدمن الأديان - حسب نص كلامه - ومع ذلك لم تنهار حضارتها ولم تتقوض دعائم بنيانها ، بل استعاضت بالعلم فازدهرت حضارتها وتقدم إنسانها .
ثم يقول ما نصه : ( هذا معناه أن أحكام الأديان ليست سوى قطع شطرنج على مربع الحياة يُمكن في أي وقت من الأوقات استبدلالها بصيغة أكثر نضجاً واتساقاً مع العصر ) .
وفي سبيل تأليهه للإلحاد والكفر والجاهلية يقرر بأن الدين خرافات عاشت قروناً تلوث طهارة العقل الجماعي ، و ( أن الخوف الذي عشش على الفكر الجماعي بأنسجته العنكبوتية والذي دعمه الاتهام المشرع بالردة والكفر والإلحاد والتهديد بإهدار الدم ، هذا الخوف دفع الفكر الجماعي إلى الارتماء في أحابيل الخرافات ) .
ولذلك ينادي بمحاكمة الدين وفق مقاييس عقله الكليل وذهنه المريض ، محاكمة من دون خوف ، ويدعو إلى إسقاط الدين بعيداً عن خشية الحكم بالكفر والردة والإلحاد ؛ لأن ذلك - كما يفهم من كل كتابه - هو الفخر والتحرر والعقلانية والتقدم والحضارة والازدهار ، بل إن عصر النهضة - كما يراه - جاء حين خلع الفكر شرنقة الدين وسيطرة رجال الدين .
وهذه الرواية الخبيثة - التي يقبع صاحبها تحت ظل حماية تحرسه ليلاً ونهاراً - تفيض بالكفر البواح ، وامتداح الكفر والوثنية والإلحاد ، وبغض الدين وشتمه .
وهكذا تبدو لنا الحداثة في موقفها المشين من توحيد الألوهية ومن الإيمان بالله العلي العظيم وعبادته ، وهي صورة قمئية سوداء تدل على انحدارٍ فكري وتلوث اعتقادي ، ومضادة كاملة لدين الله الذي ارتضاه .
{ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ويَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (32) هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ } .