وأهم قواعد الإيمان بهذا التوحيد ما يلي :
أولاً : أسماء الله تعالى كلها حسنى غاية الحسن ، كاملة نهاية الكمال ، كما أخبر - جَلَّ وَعَلاَ - عن نفسه : { ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى } وكمالها في ذاتها وفيما تتضمنه من صفات ، كمال لا نقص فيها يوجه من الوجوه ، والحسن في أسماء الله تعالى باعتبار كل اسم على انفراده ، باعتبار جمعه إلى غيره .
وأسماء الله تعالى أعلام وأوصاف ، أعلام باعتبار دلالتها على الذات ، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني .
وإثبات أسماء الله تعالى يتضمن ثلاثة أمور ، أحدها : ثبوت ذلك الاسم لله - عَزَّوَجَلَّ - . والثاني : ثبوت الصفة التي تضمنها لله - عَزَّوَجَلَّ - . والثالث : ثبوت حكمها ومقتضاها .
وتدل أسماء الله تعالى على ذات الله وصفاته دلالة مطابقة وتضمن والتزام .
ولايصح إثبات اسم لله تعالى إلاّ بما أثبته الوحي المعصوم ، وتسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حق الله تعالى وعدواناً وظلماً وضلالاً .
والإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها وهو أنواع :
الأول : إنكار شيء من أسمائه تعالى أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام ، وهذا فعل أهل التعطيل .
الثاني : جعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبه .
الثالث : أن يسمي الله تعالى بما لم يسمه به نفسه .
الرابع : أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز واللات من الإله .
الخامس : أن يسمي المخلوقين بأسماء الله الخاصة به - جَلَّ وَعَلاَ - مثل الله والرحمن .
كل هذا من الإلحاد في أسمائه تعالى ، وقد قال - جَلَّ وَعَلاَ - : { ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وذَرُوا الَذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
ثانياً : لله تعالى صفات ثابتة على الحقيقة ، وهي كمال كلها لا نقص فيها بوجه من الوجوه مطلقاً ، ودل على ذلك العقل والنقل والفطرة .
وإذا كانت الصفة نقصاً لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق الله تعالى مثل النوم والنسيان والجهل والعمى والموت والصاحبة والولد ونحو ذلك .
ومن وصف الله بالنقص فهو كافر كما قال تعالى : { وقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } ، وقوله تعالى : { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ } .
وقد نزه الله نفسه عما يصفه به أهل الكفر والإلحاد من النقائص فقال - سبحانه - : { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ (181) والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ } .
وأفعال الله تعالى لا منتهى لها وكذلك أقواله - جَلَّ وَعَلاَ - كما أخبر عن نفسه : { ولَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ والْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .
وباب الصفات أوسع من باب الأسماء ، فنصف الله بما وصف به نفسه مثل المجيء والإتيان والأخذ والإمساك ولانسميه بها فلانقول : الجائي والآتي والآخذ والممسك .
وصفات الله الثبوتية هي التي أثبتها الباري - عَزَّوَجَلَّ - لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم يجب فيها ثلاثة أمور :
الأول : إثباتها كما جاءت حقيقة على الوجه اللائق بالله تعالى .
الثاني : نفي التشبيه ، فلايشبهه أحد في صفاته - جَلَّ وَعَلاَ - .
الثالث : قطع الكيف ، وهو أن لايسأل عن الله تعالى بكيف ، ولايقال : كيفية سمعه كذا ، أو استوائه ، أو وجهه .
ولايعني ذلك أن صفات الله لا كيفية لها ، بل لها كيفية ولكننا لانعرفها فنفوض علم كيفية الصفات إليه .
والصفات السلبية ما نفاها الله تعالى عن نفسه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكل ما نفاه فهو نقص يجب تنزيه الله عنه - جَلَّ وَعَلاَ - ، ويجب في النفي أمران :
الأول : نفيها عنه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - .
الثاني : إثبات ضدها على الوجه الأكمل ؛ لأن النفي المحض ليس بمدح إلاّ إذا تضمن مايدل على الكمال ، والنفي المحض قد يكون لعدم قابلية المحل له فلايكون كمالاً ، كما لو قلت : الجدار لايظلم .
ومن الصفات المنفية عن الله تعالى مما جاء في القرآن العظيم قوله تعالى : { وتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَذِي لا يَمُوتُ } ، فيجب نفي الموت عن الله تعالى وإثبات كمال حياته ، وقوله تعالى : { ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } ، فيجب نفي الظلم عنه - جَلَّ وَعَلاَ - لثبوت كمال عدله تعالى .
ويلزم إثبات صفات الله تعالى من غير تمثيل ولا تكييف ، فالإثبات ضده التعطيل ونفي الصفات ، والتمثيل هو اعتقاد مماثل لله تعالى في صفاته من صفات المخلوقين .
والتشبيه مثل التمثيل وإن كان التمثيل أشمل .
أمّا التكييف فهو أن يعتقد أن كيفية صفات الله كذا من غير أن يقيدها بمماثل ، أو يسأل عن صفاته بكيف ، وهذا كل باطل ، فكل كيفية تقدرها الأذان لصفات الله تعالى فإنها باطل وكذب وضلال ، والله أعلى وأعظم وأجل من كل ذلك .
ويجب اعتقاد أن صفات الله توقيفية فلانثبت له من الصفات إلاّ ما دل الكتاب والسنة على ثبوته ، إمّا تصريحاً بالصفة كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين ، وإمّا تضمن الاسم لها مثل الغفور متضمن للمغفرة ، والسميع متضمن للسمع .
وإمّا التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش ، والانتقام من المجرمين كما قال تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } ، وقوله تعالى : { إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ } .
ومن الإلحاد في صفات الله تعالى وصفه تعالى بما لم يصف به نفسه أو إضافة شيء ينزه الله عنه أو نفي صفات الله الثابتة له ، أو السخرية بأسمائه وصفاته أو وصف غير الله بالأوصاف الخاصة بالله تعالى .
كل ذلك انحراف وضلال وإلحاد في صفاته - جَلَّ وَعَلاَ - .
وإذا نظرنا إلى الأدب المعاصر ، وأدب الحداثة خاصة فإننا نجد أنهم قد انغمسوا في أخبث وأبشع أنواع الضلال في أسماء الله وصفاته .
بل نجد أنهم اتخذوا من الإيمان بالله تعالى هدفاً أولياً لحربهم الشرسة على الإسلام والمسلمين ، فإنهم لم يكتفوا بجحد وجود الله تعالى وربوبيته ، ولا بجحد ألوهيته والشرك فيها ، حتى وصلوا إلى التعدي الصريح على ذات الله تعالى في أسمائه وصفاته ، ويتمثل ذلك في عدة أوجه هي :
الوجه الأول : وصف الله تعالى وتسميته بأسماء وأوصاف النقص ، ووصفه بما لم يصف به نفسه ، ووصفه بما نفاه عن نفسه وإضافة أشياء إليه تهكماً بالله تعالى أو تشريفاً لأشياء لم يشرفها الله تعالى :
وشواهد هذا الضرب من الانحراف كثيرة جداً في كلام الحداثيين ، وبداية انحرافهم في هذا الباب من اعتبارهم أن صفات الله تعالى مشكلة كما عبر عن ذلك محمد أركون في ندوة الإسلام والحداثة .
ومن تقريرهم أن الصفات الثابتة في الوحي والمأثور عن الصحابة إنّما كان تأثراً بالمحيط الذي عاشوا فيه كما عبر عن ذلك أحدهم بقوله : ( لم يكن محمد ولم يكن معاصروه معتزلة ولا كانوا أشاعرة ، ولا فلاسفة ، ولا بد أن في المعاني التي تداولوها من محيطهم والتي أسندوها إلى ألفاظ الألوهية
والجبروت والغفران واليد والعرش وغيرها من عبارات الذات والصفات الإلهية تتميز تميزاً كبيراً عما أسند إليها لاحقاً في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة ) .
ويتضمن هذا النص عدة افتراءات على الحقيقة :
أولها : الزعم بأن المعاني التي تداولها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ليست من وحي الله وإنّما هي من المحيط الذي عاشوه ، وضرب أمثلة لذلك بالألوهية والصفات ، وهذا يؤدي إلى مقصده الإلحادي الشنيع في جعل النص أسطورة وتاريخاً فحسب .
ثانيها : يتضمن كلامه أن ما أسند إلى صفات الله تعالى لاحقاً في المجتمعات المتمدنة - حسب وصفه - أصوب وأصلح وأحكم مما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم واعتقده الصحابة .
ثالثها : أن السياق في مقاله كله يوصل إلى نفي الصفات حتى بالصورة الابتداعية التي انضافت في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة ، والمطلع على بقية المقال يتضح له ذلك بجلاء .
رابعها : أن فلسفة الحداثة في نفي صفات الله تعالى أو وصفه بما لايليق به - جَلَّ وَعَلاَ - تقوم أساساً على نظرتهم الإلحادية لنصوص الوحي المعصوم .
واعتماداً منهم على أصول النظر المادي العقلاني الإلحادي ، جعلوا نصوص الوحي من قرآن وسنة مجرد أساطير ، وهذا ما صرح به نصر حامد أبو زيد في مقالة له بعنوان “ النصوص الدينية بين التاريخ والواقع ” حيث قال : ( تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه ملكاً بكسر اللام له عرش وكرسي وجنود وتتحدث عن القلم واللوح ، وفي كثير من المرويات التي تنسب إلى النص الديني الثاني - الحديث النبوي - تفاصيل دقيقة عن القلم واللوح والكرسي والعرش ، وكلها تساهم - إذا فهمت فهماً حرفياً - في تشكل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس ... ، لكن من غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في بعض اتجاهاته علىتثبيت المعنى الديني عند العصر الأول ، رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتهما لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري ) .
وهكذا تتأسس النظرة الإلحادية نحو الدين كله في سياق من التأويل الإلحادي والنظرة الفكرية المادية ، ومن هذا الأساس ونحوه تنبثق النظرة الحداثية نحو نصوص الوحي الشريف ، مسترسلة نحو دركات من الكفر البواح ، والضرب في أوهام المادية ، بعيداً عن أي دلالة عقل أو برهان تجريب أو حس
أو فطرة ، أمّا النقل فهم أعداؤه ومناقضوه فلا دلالة له عندهم على الإطلاق ، وهذا من ضلال أعمالهم كما قال الله تعالى : { الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } ، وهذا الإغراق الحسي في الماديات هو الذي وصفه الله تعالى في قوله - جَلَّ وَعَلاَ - : { والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ والنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } .
وقد ساقتهم فلسفتهم المادية الإلحادية ، ومحاكاتهم لا سيادهم الملاحدة الغربيين إلى التنافس في انتحال أقوالهم ، والتعبير عنها باللسان العربي ، وأصبحت إمكانية التحرر من هذه التبعية معقدة متداخلة تداخل أنماط محاكاتهم للغربيين ، في ظل مزاعم عريضة من الاستقلال والإبداع والتجديد والتحديث وعدم التقليد ، وغير ذلك من الدعاوى التي تؤكد البراهين أنهم على عكسها تماماً ، وما رأينا ضلالاً ينفثه المستغربون العرب إلاّ ووجدنا أصوله عند أشياخهم وأساتذتهم من الغربيين ، بل ربّما وجدناه بنصه وحرفه مترجماً ترجمة شوهاء حتى أن بعضهم رصد بعض علائم هذه الظاهرة في كتابات سادن صنم الحداثة أدونيس فأصدر كتاباً بعنوان “ أدونيس منتحلاً ” .
ولا غرو أن يكون التلاميذ تبعاً لأساتذتهم ، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار مقدار الانبهار عند التلاميذ إلى حد الصدمة ، ومقدار الاستعلاء عند الأساتذة إلى حد الإذلال والاستخفاف ، ثم مقدار العداء لهذه الأمة ديناً وتراثاً وتاريخاً وحضارة ومستقبلاً ، فأضحت الحداثة مركزاً خفياً أو جلياً لحمل رايات هذا العداء ، وبث سموم هذه الأحقاد ، يهودية الأصل نصرانية الراحلة .
وليس هنا مجال عرض هذه الأهداف المتشابكة والمصائر المتشابهة ، ولكن المراد إثبات أن ضلال وانحراف الحداثة وأتباعها آت من أصقاع الكفر والضلال ، ليُغرس بالهيمنة والإرهاب والبهرج في جسد الأمة المسلمة التي ما عرفت منذ آمنت بالله إلاّ الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة .
وما انحراف الحداثيين العرب في توحيد الأسماء والصفات إلاّ أحد ألوان هذا العدوان المغلف بالثقافة والفن والشعر والإبداع .
ولايوجد مسلم يؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً وهو يسمع أو يقرأ هذه الدمامل الاعتقادية الخبيثة ، ثم لاينحاز إلى صف المؤمنين يقاتل حمية لدينه ودفاعاً عن أقدس وأشرف وأغلى شيء ، فليس للحياد في هذه القضايا مجال ؛ إذ الحياد في حد ذاته ارتكاس وضلال وفساد
اعتقادي ، فكيف بالدفاع عن الحداثة وأهلها ، وتحسين الظن بهم والبحث عن محاسنهم وإطراء أعمالهم وأقوالهم ، لاشك أن فاعل ذلك هو مثلهم كما قال تعالى : { وإذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
وقال - جَلَّ شَأْنُهُ - : { بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (138) الَذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا ويُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذاً مِّثْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ والْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } .
ولاريب أن الحداثة قد انبنت على صيغة إلحادية تضاد الإيمان تمام المضادة ، وتناقض التوحيد تمام المناقضة ، وقد مرَّ معنا في الفصلين السابقين مايؤكد ذلك ، وفي هذا الفصل سنطلع على أنواع أخرى من بشاعة المعتقدات الحداثية بشواهد منقولة من كتب أصحابها مباشرة .
ولنبدأ بمؤسسي الحداثة الشعرية العربية ، ونرى كيف اجترأوا على الله تعالى ، ووصفوه بأبشع أنواع النقص ، وكانوا بذلك فاتحة الضلال للحداثيين الذين جاؤوا من بعدهم ، والسياب ونازك والبياتي هم طليعة هذا الشر المستطير ، وأقوالهم المنحرفة في الأسماء والصفات كثيرة .
فمن أقوال السياب : ما تفوه به من كلام موجه إلى الله تعالى يصفه فيه بالإحراج والظلم ، ويسأله باستخفاف ، ويجعل له قلباً يسعد ويخيب ، ويجعل له تاجاً يهوي ، وعرشاً يخر ، وذلك في قوله :
( بكاؤك وارتعابك فيه لله إحراج
وباسمهما أسائله الحساب : أتضرع الأطفال
لتشهد لوعة الآباء ؟ تسعد قلبك الآمال
تخيب !!
يكاد يهوى من صراخي عنده التاج .
ويُهدم عرشه ويخر ، تُطفأ حوله الآباد والآزال
ويقطر لابن آدم قلبه ألماً وينفطر ) .
ويصف الله بأن له خاطراً ، وذلك في قوله :
( هل أن جيكور كانت قبل جيكور
في خاطر الله .. في نبع من النور ؟ ) .
ويخاطب جيكور قريته العراقية ويتعدى على الله فيجعل وجهه - جَلَّ وَجْهُ رَبّي - من قدره وذلك في قوله :
( لولاك يا جنتي الخضراء ، يا داري
لم تلق أوتاري
ريحاً فتنقل آهاتي وأشعاري
لولاك ما كان وجه الله من قدري ) .
ويسأل عن جيكور ومن يُرجع إليها الله تعالى :
( ومن يُرجع الله يوماً إليها ) .
ويصف الله بأنه في القدس وسيناء ، تعالى الله ، وذلك في قوله :
( تثاءب ظلها وأصيلها بين العقارب والسنانير
وبين المسرج الظلماء
والممتد حتى الله في القدس وفي سيناء ) .
ويجعل وجه الله تعالى ملموحاً في بعض مخلوقاته ، بل يجعله بعضاً من مخلوقاته ، وذلك في قوله :
( وفي الصباح يا مدينة الضباب
والشمس أمنية مصدور تدير رأسها الثقيل
من خلل السحاب
سيحمل المسافر العليل
ما ترك الداء له من جسمه المذاب
ويهجر الدخان والحديد
لعله يلمح في درام من نهر
يلمح وجه الله فيها ، وجهه الجديد
في عالم النقود والخمور والسهر ) .
ويصف الله تعالى بالفزع والنوم ، وذلك في قوله :
( في ذلك السكون ليس فيه
إلاّ الرياح العاويه
سيفزع الله من الأموات
ويسحب الموت ويغفو فيه
مثل دثار في الليالي الشاتيه ) .
ويقرر أن الله التقى هو والإنسان والأموات والأحياء ، وذلك في قوله :
( يا من حملت الموت عن رافعيه
من ظلمة الطين التي تحتويه
إلى سماوات الدم الواريهْ
حيث التقى الإنسان والله والأموات والأحياء في شهقةٍ
في رعشة للضرية القاضيه ) .
ويصف الله بأنه تمسه الأيدي - جلّ وتقدس - ، وذلك في قوله :
( ... حتى تروّى من مسيل الدماء
أعراق كل الناس ، كل الصخور
حتى نَمس الله
حتى نثور ) .
أمّا قصيدته التي بعنوان “ في المغرب العربي ” فمليئة بالكفر والسخرية بالله تعالى ودينه ورسوله ، ووصف الله تعالى بالموت والبكاء والمشي على الأرض مجروحاً يستجدي ، إلى آخر ما في هذه القصيدة من أوصاف إلحادية فاضحة فاسقة ، وسوف أسوق أكثرها لبيان أن الحداثة من أول نشأتها كانت تتيه في غواية الإلحاد والكفر ، يقول السياب :
( قرأت اسمى على صخره
هنا ، في وحشة الصحراء
على آجرة حمراء
على قبر ، فكيف يحس إنسان يرى قبره ؟
يراه وإنه ليحار فيه :
أحي هو أم ميتٌ ؟ فما يكفيه
أن يرى ظلاً له على الرمال
كمئذنة معفرة
كمقبرة
كمجدزال
كمئذنة تردد فوقها اسم الله
وخُط اسم له فيها
وكان محمد نقشاً على آجرة خضراء
يزهو في أعاليها
فأمسى تأكل الغبراء
والنيران من معناه
ويركله الغزاة بلا حذاء
بلا قدمِ
وتنزف منه ، دون دمِ
جراح دونما ألم -
فقد مات
ومتنا فيه ، من موتي ومن أحياء
فنحن جميعنا أموات
أنا ومحمد والله
وهذا قبرنا : أنقاض مئذنة معفرةٍ
عليها يكتب اسم محمد والله
على كسرة مبعثرة
من الآجر والفخّار
فيا قبر الإله ، على النهار
ظلٌ لألف حريةٍ وفيل
ولون أبرهة
وما عكسته منه يد الدليل
والكعبة المحزونة المشوهة ...
... إله الكعبة الجبار
تدرع أمس في ذي قار
بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار
إله محمد وإله آبائي من العرب
تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوار
وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار
وأبصرناه يهبط أرضنا يوماً من السحب :
جريحاً كان في أحيائنا يمشي ويستجدي
فلم نضمد له جرحاً
ولا ضحّى
له منا بغير الخبز والإنعام من عبد
وأصوات المصلين ارتعاش من مراثيه
إذا سجدوا ينزُّ دمُ
فيسرع بالضماد فمُ :
بآيات يغض الجرح منها خير ما فيه
تداوي خوفنا من علمنا أنا سنحييه
إذا ما هلل الثوار منا “ نحن نفديه ”
أغار من الظلام على قرانا
فأحرقهن سرب من جرادِ
كأن مياه دجلة حيث ولى
تنم عليه بالدم والمدادِ
أليس هو الذي فجأ الحبالى
قضاه ، فما ولدن سوى رمادِ ؟
وأنعل بالأهلة في بقايا
مآذنها ، سنابك من جوادِ ؟
وجاء الشام يسحب في ثراها
خطى أسدين جاعا في الفؤادِ ؟
فأطعم أجوع الأسدين عيسى
وبل صداه من ماء العمادِ
وعض نبي مكة ، فالصحارى
كل الشرق ينفر للجهاد ؟
أعاد اليوم ، كي يقتص من أنا دحرناه ؟
وإن الله باقٍ في قرانا ، ما قلتناه ؟
ولا من جوعنا يوماً أكلناه ؟
ولا بالمال بعناه ...
... أهذا لون ماضينا
تضوّأ من كوى الحمراء
ومن آجرة خضراء
عليها تكتب اسم الله بقيا من دم فينا ؟
.. وهب محمد وإلهه العربي والأنصار
إن ألهنا فينا ) .
ولايخفى على ذي لب وإيمان كم اترعت هذه المقطوعة من انحرافات وضلالات ، ولكن المنافقين لايفقهون ، ولذلك تراهم يدافعون عن الذين يختانون أنفسهم وبإلههم العظيم يكفرون .
وفي مقطوعة أخرى يصف الله بالثورة ، ويخاطبه كأنما يخاطب بشراً ، وذلك على لسان حفار القبور :
( وهز حفار القبور
يمناه في وجه السماء ، وصاح : رب ! أما تثور ) .
ويصف الله تعالى بالنشوة ، وذلك في قوله :
( ... تلتف ساق بساق وهي خادرةٌ
تحت الموائد تخفي نشوة البشر
عن نشوة الله من همسٍ ومن سمر
في خيمة القمر ) .
ويصف الله تعالى بنقائص منها أنه - تعالى - رآه المقبور رأي العين ورآه يبكي بكاء رحمة واعتذار ، تعالى الله وتقدس ، يقول السياب عن أخيه المقعد حميد الذي مات :
( يا ويلنا للمصير !!
ينام ورجلاه مطويتان
شهوداً على الداء في قبره
إذا ما رأى الله رأي العيان
وقد سار زحفاً على صدره
فأي انسحاق وأي انكسار
يشعان من عينه الضارعة !!
سيبكي له الله من رحمة واعتذار ) .
هذا ما لدى السياب ، أمّا نازك الملائكة فإنها تصف الرب بالكآبة في قولها :
( وأضحك ضحكة رب كئيب تَمرد مخلوقه الكافر )
أمّا عبدالوهاب البياتي فقد انغمس إلى آذانه في هذا الضرب من الانحراف ، وتنوعت عباراته فيه ولا غرو أن يكون كذلك وهو الذي اعتـنق الشيوعية عقيدة ، واتخذ نظامها مسلكاً ، ودافع عن تاريخها ورموزها ، وسعى في نشرها ، وجعلها غاية شعره وكتاباته ، واندمج في مؤسساتها وبنياتها المعرفية والفكرية اندماجاً كاملاً ، وانفجرت خبائثه الاعتقادية ضد الإسلام والمسلمين ، في تعمد للمحو والهدم كأساس لبداياته الحداثية ، ومشاريعه الإبداعية المناقضة لملة الإسلام عقيدة وشريعة .
ومن هذا الضرب مما له علاقة بهذا الفصل أقواله تحت عنوان “ يا إلهي ” ناسباً الخبز والخمر إلى الله تعالى ومسمياً الله تعالى إله الليالي ، وجاعلاً الصلاة سكراً ، وذلك في قوله :
( يا إلهي قضاؤك - العدل يجري أتراه على الورى أم عليا
خبزك المشتهى وخمرك سالت قطرة من دم على شفتيا
أين عيناك يا إلـه الليالي لتصب النعـاس في مقلتيا
كيف أرقى لعرشك المتعالي أبسكر الصلاة أم بالحميا )
ولعل هذه القصيدة تعد عند الحداثيين من مثاليات البياتي وإيمانياته المتافيزيقية - حسب تعبيرهم - وهي كما يظهر من ألفاظها مترعة بهذه الألفاظ المنحرفة .
وفي موضع آخر ينسب البياتي إلى الله الولد - تعالى الله عما يقول علواً كبيراً - يقول :
( يغني ، عمر اليخام ، يا أخت
حقول الزيت ، واللهُ
يغني طفله المصلوب في مزرعة الشاه ) .
ومن أبشع وأشنع أقواله ، قوله الخبيث :
( الله في مدينتي يبيعه اليهود
الله في مدينتي مشرد طريد
أراده الغزاة أن يكون
لهم أجيراً
شاعراً
قواد
يخدع في قيثاره المذهب العباد
لكنه أصيب بالجنون
لأنه أراد أن يصون
زنابق الحقول من جرادهم
أراد أن يكون
الملك لك
ما أبعد الطريق
الحمد لك
وما أقل الزاد
الله في مدينتي يباع في المزاد
دعارة الفكر
هنا ، رائجة ، دعارة الأجساد ) .
أبعد هذا الشناعات الاعتقادية والخبث الفكري والانحراف المبدئي يحق لأحد من المسلمين أن يقول عن البياتي أنه لم يتعمد جرح عقيدة أمته .
ويقول البياتي أيضاً :
( الله والشيطان
وريث هذا العالم الإنسان
يحوم حول سوره عريان
فاكهة محرمة
ومدن بلا ربيع مظلمة ) .
ويقول في تهكم وتنقص مقصود :
( من ترى ذاق ، فجاعت روحه ، حلو النبيذ
وروابي القارة الخضراء والمطاط والعاج وطعم الزنجبيل
وعبير الورد في نار الأصيل
ورأى الله بعينيه ، ولم يملك على الرؤيا دليل
فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك
ذقت لما هبطت عشتار في الأرض ملاك ) .
لقد أضحت عشتار لديه محور الآمال والمطالب والمقاصد ، فهي فوق النقد ، وهي مفتاح الرؤيا لكل شيء ، حتى ليزعم أنه يرى الله بعينيها !! .
وهو أمر عجيب من ماركسي تكونت ثقافته تحت مبدأ الماركسية “ لا إله والحياة مادة ” ووثني يخاطب عشتار في تبجيل عبادي ، ثم يزعم أنه يرى الله !! .
غير أن إيراده لاسم الله الجليل الكريم ليس إلاّ من باب التدنيس والتنقص ، ولذلك اتبع دعواه بقوله : ولم يملك على الرؤيا دليل ، وهي عبارة تربط علاقات الاعتقاد الماركسي بالوثني ، في سبيل جحد ونكران ، ملبسٍ بلباس غامض موهم وعبارات ملتوية .
ويتصور البياتي أن الله تعالى كواحد من البشر يُمكن الاختفاء عنه فيقول :
( وأنا أحمل في الشارع جثة
مخفياً وجهي عن الله وعنك ) .
ومن جنس هذه الأقوال الواصفة لله تعالى بالنقص قوله :
( على صدرك استلقي
على صياح ديك الفجر في مملكة الله وفي مملكة السحر وفي
أصقاعها أواصل الرحيل ) .
ويتحدث عن الله تعالى باستخفاف حداثي صارخ ، مصوراً أن الله تعالى يُبحث عنه في مدينة العشق ، وذلك في قوله :
( من أعطاك حق البحث في مدينة العشق عن الله؟ ) .
وعلى النمط نفسه يقرن بين الله تعالى والأصقاع الوثنية والموسيقى والثورة والحب ، وهو إقران يقصد منه التنقص والتدنيس فيقول :
( ... ارحل تحت الثلج
أواصل موتي في الأصقاع الوثنية ، حيث الموسيقى والثورة
والحب وحيث الله ) .
ونحو ما سبق قوله :
( لغتي صارت قنديلاً في باب الله
... فيبقى صوتي
قنديلاً في باب الله ) .
ويجعل صفة البصر لله تعالى موضع تندرٍ ووهم ، حيث يجعل إثباتها من كلام أحد المجانين ، وذلك في قوله :
... انتظريني - قال المجنون - وظلي ميتة بين الموتى ، واقتربي
من ضوء الشمعة ، إن الله يرانا ويرى وجهي الخائف مقترباً من وجهك ) .
وينتقص الباري سبحانه غاية التنقص في قوله :
( ... اتخطى الوضع البشري ، ادور وحيداً حول
الله وحول منازله في الأرض ...
... موسيقى أعمى ينزف فوق الأوتار دماً ، يرفع مثلي يده في صمت فراغ الأشياء ، ويبحث عن شيء ضاع ، بدور وحيداً حول الله ، بصوت فمي أو فمه يصرخ ...
... ويقول وداعاً لمآذن قصر الحمراء ، يدور وحيداً حول الله
وحول منازله في الأرض ... ) .
إن الدمار الحداثي والانحطاط المسترسل في كتابات وأعمال أهل الحداثة ، يتطلب وقفات كشف ونقد وفضح متواصلة بلغة واضحة جلية لاتعرف المجاملة على حساب الدين ، ولاتخضع لمقاييس أهل التذويب والتلفيق الذين يقولون : إن أردنا إلاّ إحساناً وتوفيقاً ؛ فإنه لايُمكن التوفيق بين الكفر والإيمان كما لايُمكن لمن أراد الشرب أن يخلط في إنائه بين الماء والبول .
والنصوص المذكورة آنفاً هي من أقوال الرعيل الأول من الحداثيين ، وأول من سن سنن الحداثة الشعرية في بلاد العرب ، وكان لهم عميق الأثر والإسهام الفعال المؤثر في تبديل المفاهيم والمضامين الشكلية والفكرية ، والذين جاؤوا من بعدهم كانوا على منوالهم ، بل بعضهم كان أشد اعتناقاً للانحراف وأكثر عداوة للدين من أولئك الأوائل .
ومن الجيل الثاني من شعراء الحداثة صلاح عبدالصبور وله أيضاً إسهاماته الريبية المنحرفة ، وله دوره الكبير الفعال وخاصة في شعراء وأدباء مصر من الحداثيين .
واجتراء صلاح عبدالصبور على مقام الله - جَلَّ وَعَلاَ - شهير كثير ، ومن ذلك قوله في قصيدة “ الناس في بلادي ” :
( ... يا أيها الإله
الشمس مجتلاك والهلال مفرق الجبين
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكية
وأنت نافذ القضاء أيها الإله ...
... وفي الجحيم دُحرجت روح فلان
يا أيها الإله
كم أنت قاس موحش يا أيها الإله ) .
فهذه أوصاف نقص وذم لله الجليل العظيم ، وإضافات تهكم وكذب إليه - جَلَّ وَعَلاَ - ، حيث جعل الشمس مجتلاه ، وجعل الهلال مفرقاً للجبين - تعالى الله وتقدس - وجعل الجبال عرشه - جَلَّ وَعَلاَ - ثم انعطف بكل قحة وفجاجة يصف الله تعالى بالقسوة والوحشية ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون .
وفي موضع آخر يصف الله بالنسيان المنفي عنه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - : { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنسَى } ، فقال :
( يا أختي ، أناقد انفقت الأيام أحاورها وأداجيها
وكأن الله
لم تنسج كفاه لقلبي قدري الإنسان ... الله
ينسانا يا أختاه ) .
ويصف الله تعالى بالنوم ، ويجعله في مفتاح باب البيت ويزعم أنه رأى الله تعالى في قلبه ، وكل هذه أوصاف نقص يجب نفيها عن الله ، وتنزيهه عنها غاية التنزيه ، يقول صلاح عبدالصبور :
( وأن الله قد خلق الأنام ونام
وأن الله في مفتاح باب البيت ...
... رأيت الله في قلبي ) .
وتبلغ به الجرأة إلى حد أن سمى مقطعاً له “ أغنية إلى الله ” وهي تسمية توحي بالتنقص والازدراء ، وفيه يخاطب الله وكأنه يخاطب أحداً من البشر ، ويصفه ويضيف إليه أوصافاً لاتليق بجلال الله وعظمته وقداسته ، مما يدل على استهانته واستخفافه الكبير بالله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - ، يقول :
( الله يا وحدتي المغلقة الأبواب
الله لو منحتني الصفاء
الله لو جلست في ظلالك الوارفة اللّفاء
أجدل حبل الخوف والسأم ...
... نصرخ ، يا ربنا العظيم ، يا إلهنا
أليس يكفي أننا موتى بلا أكفان
حتى تزل زهونا وكبرياءنا .
... يا ربنا العظيم يا معذبي
يا ناسخ الأحلام في العيون
يا زارع اليقين والظنون
يا مرسل الآلام والأفراح والشجون
اخترت لي
لشد ما أوجتني
ألم أخلّص بعد
ألم ترى نسيتني
الويل لي نسيتني
نسيتني
نسيتني ) .
وكم هاجم الحداثيون الشعر العربي القديم للمدائح التي كان يلقيها الشاعر للأمراء والسلاطين والخلفاء ، غير أنهم ارتكسوا في مدائح أخبث وأقذر ، وذلك حين توجهوا يمدحهم إلى المنحرفين والضالين والملحدين ، ومثال ذلك مقطوعة لصلاح عبدالصبور يمتدح فيها الشاعر والكاتب المسرحي الأسباني الشيوعي الملحد ، الذي قتل في أوائل الحرب الأهلية سنة 1354 هـ/1936 م .
قال فيه :
( لوركا ...
نافورة ميدان
ظل ومقيل للأطفال الفقراء
... لوركا شمس ذهبية
... لوركا سوسنة بيضاء
... لوركا قلب مملؤ بالنور الرائق ) .
بل قلب مملؤ بالكفر الخاثر ، ولكن عبدالصبور وإخوانه في الغيّ الحداثي ، جعلوه رمزاً وامتدحوه واطروه غاية الإطراء : { والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ } .
وينتقل صلاح عبدالصبور بعد عبارات الإطراء والمدح إلى ذكر مقتل “ لوركا ” ويصور مقتله على أنه مصيبة عظيمة وقعت في حق الإنسانية ، ثم يذكر أنه أغفى في حضن الله الغاضب ، وهذه صفة انتقاص لله تعالى من وجهين :
الأول : أن الله تعالى لايوصف بأنه له حضن .
والثاني : أنه جعل هذا الملحد الماركسي يأوي إلى الله ويطلب منه العفو عن الذين قتلوه ؛ لأنه يتصور أن الله غضب من أجل مقتل هذا الكافر الذي لايساوي عند الله بعوضة ، ثم ينسب أخيراً الأبناء إلى الرب الصمد - جَلَّ وَعَلاَ - ويجعل لوركا من أبناء الرب ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
يقول صلاح :
( ... يمضي حيث سقطت ، وعض التراب فمك
حتى يغفي في حضن الله الغاضب
يرجوه أن يعفو عن خفراء بلداء
قتلوا آخر أبناء الرب ) .
وفي مسرحية الحلاج صاغ أسئلة عديدة فيها اعتراض ونقد جارح موجه إلى الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - ويسأل السؤال الكبير الجارح - على حد تعبيره - أين الله عن المسجونين المظلومين والشرطي الظالم ؟ ، وهو سؤال استنكار قبيح ، يقول فيه :
( أما ما يملأ قلبي خوفاً ، يضني روحي فزعاً
وندامه
فهي العين المرخاة الهدب
فوق استفهام جارح
أين الله ؟
والمسجنون المصفودون يسوقهمو شرطي
مذهوب اللب
قد أشرع في يده سوطاً لا يعرف من في
راحته قد وضعه ) .
ويطرح في ثنايا المسرحية أسئلة اتهام موجهة إلى الله تعالى ، تتضمن أوصاف استنقاص واستهانة بالله - جَلَّ وَعَلاَ - ، وذلك في قوله :
( لكني ألقي في وجهك
بسؤال مثل سؤالك
قل : من صنع الموت ؟
قل : من صنع العلة والداء ؟
قل : من وسم المجذومين ؟
والمصروعين ؟
قل : من سمل العميان ؟
من مد أصابعه في آذان الصم ؟
من شد لسان البكم ؟
من سود وجه السود ؟
من صفر وجه الصفر ؟
من القانا في هذي الدنيا مأسورين
لنغص بمشربنا ، ونُشاكَّ بمطعمنا
نتنفس أبشع رائحة مصّاعدة من رجع حلوق
الموتى
الموتى الأحباء المقتولين القتلة
... من ألقانا بعد الصفو النوراني
في هذا الماخور الطافح
من ... من ... ؟
الحلاج : لا .. لا .. لا أجرؤ
أتريد تقول ...
لا .. لا ..
لاتملأ نفسي شكاً ياشبلي ) .
وقد استعاض بالنقاط عن اسم الله في قوله : ( أتريد تقول ... ) ، وهو حذف مقصود يضفي جواً من الشك والاتهام ، ويؤكد أن الإجابة على هذه الأسئلة الجارحة هو الله تعالى وتقدس .
وفي المسرحية ذاتها يتقمص شخصية الحلاج ويؤيد مذهبه الحلولي الباطل ، ويجعل كلمات الله تعالى مخلوقة مولودة في قلب الحلاج ، وذلك في قوله :
( ... في أرض مدينته الخضراء
ولدت كلمات الله هناك بقلبي المثقل
فأتيت بها ، طوفت بأرض الناس ) .
ثم يستطرد في نَفسٍ صوفي ابتداعي ، فيجعل الله تعالى معشوقاً - تعالى الله - ، ويقرر عقيدة الفناء الصوفي ، ويجعل من صفات الله خلعة يُمكن أن يلبسها الإنسان المحب لله ، على حد مزاعمه وادعاءاته الباطلة المستنسخة من عقائد زنادقة المتصوفة أهل الحلول والاتحاد ، يقول صلاح عبدالصبور :
( يا ولدي
الحب الصادق
موت العاشق
حتى يحيا في المعشوق
لا حب إذا لم تخلع أوصافك
حتى تتصف بأوصافه
وأنا أنوي أن يكمل حبي لله
أن أخلع أوصافي في أوصافه
أنا إنسان يضنيني الفكر ويعروني الخوف
ثبت قلبي يا محبوبي
أنا إنسان يظمأ للعدل ويقعدني ضيق الخطو
فأعرني خطوك يا محبوبي
وشفيعي في صدق الرغبة والميل
قلبي المثقل
ودموعي في الليل
سأخوّض في طرق الله
ربانياً حتى أفنى فيه ) .
ويستطرد في هذه الانحرافات ليصل إلى خرقة الصوفية الخرافية البدعية ذات الجذور الوثنية ، فيجعل منها ثوباً لله تعالى الله وتقدس :
( يارب اشهد
هذا ثوبك
وشعار عبوديتنا لك
وأنا اجفوه ، أخلعه في مرضاتك
يارب أشهد ) .
ويلوي رأسه مع خرافات وضلالات الصوفية واصفاً الله تعالى بما يتنزه عنه - جَلَّ وَعَلاَ - ونافياً عنه ما اتصف به سبحانه ، فيجعل الله هو نور الكون ، وينفي صفة العينين لله في سياق حوار مع من يسأله عن ذلك ، ويجعل هذه الصفة بمثابة القفل على القلب في قوله تعالى : { أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } ، أي : كما أن العقل - عنده - ليس حقيقياً فكذلك عين الله تعالى ليست حقيقة ، وهذا هو اعتقاد المعطلة وأشباههم ممن ضلوا في هذا الباب .
ثم يستطرد في كلامه جاعلاً نور الله هو المصباح ، وجاعلاً من نفسه بضعة من الله - تعالى الله وتقدس - بل جعل الله تعالى متفرقاً في الناس ، وهي عقيدة الحلول الإلحادية التي نهايتها جحد وجود الله ، وجعل الإنسان إلهاً مثل الله تعالى ، وهنا يلتقي المقصد الصوفي الزنديقي مع شقيقه الحداثي في الوصول إلى مآربهم الأصلية وهي جحد وجود الله وربوبيته وألوهيته ، وتأليه الإنسان والكون والحياة .
هذا كله قاله صلاح عبدالصبور في مسرحية الحلاج على لسان الحلاج :
( أراد الله أن تجلى محاسنه ، وتستعلن أنواره
فأبدع من أثير القدرة العليا مثالاً ، صاغه طينا
وألقى بين جنبيه ببعض الفيض من ذاته
وجلاه ، وزينه ، فكان صنيعه الإنسان
فنحن له كمرأة ، يطالع فوق صفحتها
جمال الذات مجلوّاً ، ويشهد حسنه فينا
... فهذا حبنا لله
أليس الله نور الكون
فكن نوراً كمثل الله
ليستجلي على مرآتنا حسنه
شرطي : مقاطعاً
ولكن شيخنا الطيب ، هل ربي له عينان
لكي ينظر في المرأة ؟
الحلاج : ولكن ولدي الطيب ، هل قفل على قلبك
حتى ينطق القرآن
“ أم على قلوب أقفالها ” ؟
شرطي آخر : أجدت الرد ، كيف إذن تظن الله
بلا نعت بلا تشبيه
الحلاج : أظن الله ، كيف ، ونوره المصباح
وظني كوة المشكاة
وكوني بضعة منه تعود إليه
الشرطي : أتعني أن هذا الهيكل المهدوم بعض منه
وأن الله جَلَّ جلاله متفرق في الناس ؟
الحلاج : بلى ، فالهيكل المهدوم بعض منه إن طهرت
جوارحه
وجل جلاله متفرق في الخلق أنواراً بلا تفريق
ولايُنقص هذا الفيض أدنى اللمح من نوره
شرطي ثالث : فأنت إذن إله مثله مادمت بعضاً منه ؟
الحلاج : رعاك الله يا ولدي ، لماذا تستثير شجاي
وتجعلني أبوح بسر ما أعطى
ألا تعلم أن العشق سر بين محبوبين
هو النجوى التي إن أعلنت سقطت مروءتنا
لأنا حينما جادلنا المحبوب بالوصل تنعمنا
دخلنا الستر ، أُطعمنا ، وأُشربنا
وراقصنا وأُرقصنا ، وغُنينا وغَنينا
وكُوشفنا وكاشفنا ، وعُوهدنا وعاهدنا
فلما أقبل الصبح تفرقنا
تعاهدنا ، بأن أكتم حتى أنطوي في القبر ) .
وفي المسرحية ذاتها يجعل الله تعالى مظلوماً من قبل خلقه الظالمين وذلك في قوله على لسان الحلاج :
( أين المظلومين ، وأين الظلمة ؟
أو لم يظلم أحد المظلومين
جاراً أو زوجاً أو طفلاً أو جارية أو عبداً ؟
أو لم يظلم أحدٌ منهم ربه ؟ ) .
هذه المسرحية الخبيثة تدور حول قضية حداثية أساسية وهي تدنيس قداسة الله - عَزَّوَجَلَّ وَتَقَدّسَ - ، بل لخص مقاصدها يوسف الخال في معرض إشادته بها وبصاحبها وذلك حين يقول : ( خذ الحلاج عند عبدالصبور ، لقد أراد أن يخلق مسيحاً في التراث الإسلامي ، على الطريقة التي لدينا نحن المسيحيين كان الحلاج عنده مسيح الإسلام ... فماذا لديك لتقول ؟ ، إن الله لانعرفه نحن ، عندما قال الحلاج : مافي الجبة إلاّ الله ، فعلى الطريقة نفسها التي قال بها المسيح : أنا في الأب والأب في ، فالمسيح والحلاج قالوا : إن الله يمشي على الأرض ، إنه إنسان ، أنسنة الله ... من هنا أُدخل عبدالصبور في جماعة الشعراء التموزيين ولولم يكن قد تكلم عن تموز مباشرة ) .
سبحان الله عما يقول ، وسلام على عيسى ابن مريم الذي كان عبداً لله يدعو إلى عبادة الواحد الأحد الذي في السماء ، وغضب الله على من افترى عليه وكذب .
وفي مسرحية أخرى يتهكم بالله تعالى إلى حد بعيد ، وذلك في قوله :
( يحرمني من نومي .. أشهى خبز في مائدة الله ) .
وليس هناك مايبرر له أن يعبر هذا التعبير بل كان في مقدوره أن يقول أشهى خبز في مائدة العين أو النفس أو الجسد أو الرغبة أو الإنسان أو أي شيء غير الله تعالى ، مما يدل على أن إتيانه باسم الله تعالى أمراً مقصوداً من أجل التنقص والتهكم ، وتحقيق الاستخفاف ، وتدنيس المقدس الذي يعد أصلاً من أصول الحداثة .
ومن هذا القبيل أقواله في مسرحية “ مسافر ليل ” الطافحة بسبّ الله تعالى عدواً بغير علم ، ونسبة الموت إليه وجعله كأحد من البشر ، له بطاقة شخصية ، قال - جازاه الله - :
( يا عبده
قف واسمع وصف التهمة
أنت قتلت الله
وسرقت بطاقته الشخصية
وأنا علوان بين الزهوان بين السلطان
والي القانون ) .
وقال :
( أنا مسؤول عن هذا الوادي كله
والشائعة تقول
رجل من أهل الوادي قد قتل الله
وسرق بطاقته الشخصية ) .
وقال :
( الراكب : سامح جهلي يا مولاي
ما معنى هذي الكلمة
عامل التذاكر : أي افقدك وجودك
أفهمت ؟
ولهذا حين أقول :
أنت قتلت الله
لا أعني طبعاً - استغفره - انك قد ..
لا ، ولكني أعني .. أنت سرقت بطاقته الشخصية
وبهذا يتساوى الأمران ) .
وقال :
( إن الله تخلى عن هذا الجزء من الكون
لايعطينا شيئاً قط
لاينظر في هذي الناحية كما كان
قلنا : ماذا حدث لنا ؟
قالوا : أحدهمو قد قتل الله هنا
ولهذا فهو يخاصمنا
أعني - طبعاً - أحدهمو قد سرق بطاقته الشخصية
وانتحل وجوده
قلنا : نبحث لكن في السر ) .
اللهم غفرانك من كتابة هذه الأقوال الشنيعة الخبيثة ، ولولا أن الله قد شرع للمسلمين الرد على الكافرين وتفنيد أقوالهم الباطلة ، وذكر سبحانه أقوالهم الكافرة في القرآن من نسبة الولد والصاحبة والفقر إليه - جَلَّ وَعَلاَ - ؛ لكان ترك هذه الأقوال البشعة أولى من ذكرها .
هذا وإن صلاح عبدالصبور لايعد عند المدافعين عند الحداثة من الغالين ، بل قد يعد تراثياً - أحياناً - وينسب إلى الفلسفات المثالية ، ويعنون بها الإيمان بدين ، أو بما وراء الطبيعة حسب مفاهيم وألفاظ الفكر المادي الإلحادي ، وهاهي أقواله في الله تعالى من أبشع وأخبث الأقوال ، وليس لها وجه تأويل أو قبول في مقاييس الشريعة الإسلامية إلا أنها مما يوجب حد الردة ، بل بعضها يوجب ذلك .
أمّا أدونيس فقد نقلنا من كلامه في الفصلين السابقين ما يؤكد سخريته بالله وتنقصه لجلال الله تعالى وتهكمه بدينه وشريعته وعباده ، وأقواله في وصف الله بأبشع الأوصاف وإلصاق النقائص به كثيرة تدل على الفساد الاعتقادي المستوطن في قلبه ، والرغبة الحاقدة في اجتثاث الإسلام ، والبغض الدفين المستولي على كل لبه .. ، ومما لاريب فيه أنه لايذر مجالاً من خلاله أن يكيد للإسلام والمسلمين إلاّ سلكه بما يسمى شعراً تارة ، وبالنقد تارة ، وبالكتابات الصحفية ، وبالمؤسسات ودور النشر والإصدارات ، والندوات والمحاضرات ، وقد لقي - للأسف - آذاناً صاغية من أبناء المسلمين ، حتى بعض الذين عرفوا انحرافه الاعتقادي وضلاله الفكري وعداوته الشديدة للإسلام نجدهم ينتقدونه في هذه القضايا ومع ذلك يستأسرون إلى أبعد حد لما يسمونه الغنائية الفكرية في قوله :
( قافلة كالناي والنخيل
مراكب تغرق في بحيرة الأجفان
قافلة مذنب طويل
من جحر الأحزان
آهاتها جرار
مملؤة بالله والرمال ... ) .
سبحانك يا قيوم السموات والأرض ... وأي غنائية فكرية في هذا الغناء القذر ؟ .
إن تيار الحداثة ينطلق منذ البداية من مبدأ رفض الإسلام في كل صيغه ومعطياته الجوهرية ، اعتقادية وتشريعية وسلوكية ، وإن جاز الابقاء على المعاني الروحية وبعض القيم عند بعض الحداثيين والعلمانيين كطقس يمثل نوعاً من التراث الشعبي أو ما يسمونه “ الفلولكلور ” فإن أدونيس والخال والحاج وسميح القاسم وجبرا والصائغ وتوفيق زياد وبسيسو وسعدي يوسف وأضرابهم يطّرحون الإسلام ويعادونه - تطبيقاً - في أي شكل وعلى أي مستوى .
والصنف الأول ممن يبقون على الإسلام تراثاً أو ممارسة فردية لاينطلقون في ذلك من توقيره أو إجلاله ، بل ثمة حقائق موضوعية وتحولات اجتماعية يعيشونها حتمت على أصحاب هذا الاتجاه أن يتجنبوا الجحد المباشر الصريح والمناقضة الكاملة الفاضحة ، التي يمارسها أساتذتهم وزملاؤهم من أصحاب التيار الحداثي العلماني اللاديني .
وأهم هذه الحقائق الموضوعية بقاء الشعور الديني في نفوس المسلمين ، وتأثير الدعوة الإسلامية الشمولية المعاصرة ، التي استطاعت أن تحقق نجاحاً كبيراً في جماهير المسلمين ، وشكلت تياراً إيجابياً فعالاً ومؤثراً في طائفة كبيرة من المثقفين ، وفي قاعدة واسعة من الجماهير المسلمة ، مما يصعب معه البوح بكل مكنونات القلوب الحداثية العلمانية ، المترعة ببغض الدين أو بعض شرائعه ، والملأى بالشك والريب فيه وفي تاريخه وحضارته .
إن ثقافة الردة التي يحمل لواءها أدونيس وأشباهه ترتكز أول ما ترتكز على مهاجمة أصل الأصول وقاعدة القواعد الإيمانية : توحيدالله - جَلَّ وَعَلاَ - وقد ذكرنا توضيحاً لهذا بالشواهد فيما يتعلق بالربوبية والألوهية ، وفي ذلك تنقص مقصود بمقام الله - جَلَّ وَعَلاَ - ، فإذا انضاف إليه انحرافه الواضح في توحيد الأسماء والصفات ، ووصف الله تعالى أو تسميته بأوصاف وأسماء النقص تبين لنا أي حداثة هذه التي يدعو إليها وينافح عنها مثقفو الأدب الحديث .
يصف أدونيس - أهلكه الله - الباري - جَلَّ وَعَلاَ - بأنه يولد ، مضاهياً قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون ، وذلك في قوله :
( كاهنة الأجيال ، قولي لنا
شيئاً عن الله الذي يولد
قولي ، أفي عينيه مايعبد ) .
وتلبغ به درجة الخبث والقذارة إلى أن يصف الله في أحط الأوصاف الخسيسة وفي أبشع المواضع ، حيث يقرر بأن الله يُشاهد في العملية الجنسية ، وأنه يتحقق له في فرج المرأة أن الله “ تعالى وتقدس ” لايتناهى وذلك في قوله :
( يا شهدي ، يا شهد الشهوة
يا أرضاً تجنى في خلوه
يا قبة
فيها كل نجيٍّ يشهد ربه
يا قصراً يعلو تحت الزغب
في أحشائك تيه يجرف رمل التعب
في أحشائك أحيا موج الجنس ، اكابد سَوْرَة مده
أردُ العالم في لا حدِّه
في أحشائك أعرف أوقن آن الآتي
سرُّ حياتي
فيك أصور أبدع ، أعلى آثاري
أوضح أعتم أسراري
فيك أنشّيءُ ، فيك أحقق أن الله
لايتناهي ) .
ثم يختم هذا الخبيث بقول أخبث مخاطباً المرأة وجسدها وأعضاءها الجنسية :
( يا مجهولي نامي ، آن مسيري نحو الله
الضائع آن وصولي ) .
ينفث الطائفي النصيري الحداثي أنتن قذراته في هذه الكلمات الرجيمة ، ويتطاول القزم الحقير على مقام الله ذي الجلال والإكرام والقداسة والعظمة كما تطاول أسلافه الهلكى من الكفار والمشركين .
وما تطاوله هذا إلاّ لأجل الوصول إلى الغاية الأساسية والمهمة المكلف بها من أشياخ الطائفة النصيرية ، أو من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت التي يعمل مدرساً فيها ، أو من منظمة حرية الثقافة التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وتتمثل تلك الغاية فيما خطه بيده الدنسة في كتابه الثابت والمتحول حيث قال : ( ... إذا كان التغيير يفترض هدماً للبنية القديمة التقليدية ، فإن هذا الهدم لايجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي ، وإنّما يجب أن يكون بآلة من داخله ، إن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته ) .
وهذا هو الذي عمله في تلمود الحداثة “ الثابت والمتحول ” حيث حاول أن يستخدم شيئاً من التراث لهدم الإسلام ، غير أنه لم يفلح ولن يفلح ، فقد ركن إلى الشذاذ من الباطنيين والملاحدة والشاكين واتخذ منهم أساساً لمنطلقه ، ولن يفلح ؛ لأن دين الله محفوظ ، موعود من الله القدير بالنصر والتمكين ولو كره المجرمون .
غير أن مايجب التنبيه عليه في هذا المقام ، أن قاصري العقول من أتباع الحداثة والمدافعين عنها ، يظنون أن الحداثة مجرد تجديد في الإشكال ، ونمط تحديث في التعابير وأسلوب جمالي حديث ، وفي الحقيقة أن الحداثة ثم تتخذ ذلك غرضاً لها إلاّ بعد أن اتخذت هدم الدين وتشويه الرسالة ومعارضة الشريعة أهم أهدافها بل أول أهدافها .. وإلاّ فما وجه الارتباط بين التجديد في الأساليب والأشكال وهدم البنية الاعتقادية والثقافية والحضارية للأمة ؟ .
ولماذا لانجد حداثياً إلاّ وهو مغموص في دينه وعقيدته بكفر بواح أو بنفاق مستتر ؟ .
ولماذا لانجد عند رواد الحداثة وأساتذتها ومعلميها أدنى توقير لله تعالى أو لكتابه أو لرسله الكرام أو لشريعة الإسلام ؟ .
ثم لماذا نجد عندهم مقابل ذلك الاحترام للوثنيات اليونانية والإغريقية والفرعونية والآشورية بل وحتى البوذية وجاهلية العرب قبل الإسلام ؟ ، والإجلال والتعظيم لمبادئ الكفر ومناهجه المعاصرة ؟ .
وما تكون موجعة للإسلام والمسلمين إلاّ كانوا في صفها ، وما تكون ملمة ضد الدين وأهله إلاّ فرحوا بها ، وإن جاء فتح أو نصر أو تَمكين للمسلمين كشروا وغضبوا وضاقت نفوسهم وحصرت صدورهم .
وفي كتاباتهم الصحفية وتصريحاتهم العلمنية مايؤكد كل هذا الذي ذكرناه .
إنه الهدم ، والثورة على الإسلام ، وإن تلبس بلبوس الثقافة والفن والإبداع .
فنحن أمة قد وهبنا الله تعالى من خصائص التمييز بين الحق والباطل مالم يهبه لغيرنا من الأمم ، ذلك أن أمة الإسلام هي أمة الحق له تدعو وبه تهدي وتعدل : { وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِا؟لْحَقِّ وَبِهِ÷ يَعْدِلُو؛َ = 181 } ، وليس بعد الحق إلاّ الضلال ، ولا بعد الهدى إلاّ العمى ولا بعد الإيمان إلاّ الكفر ، ولا بعد التوحيد إلاّ الوثنية ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون .
ومن شواهد انحرافات أدونيس في هذا الباب ماكتبه في ديوانه عن حقيقة الإسراء والمعراج ، حيث صور هذه الحقيقة تصويراً أسطورياً ، وساقها سياقاً مملوءاً بالسخرية والتشكيك والأكاذيب والتهكمات الكثيرة ، وذلك تحت عنوان “ السماء الثامنة ، رحيل في مدائن الغزالي ” ، ويعني بمدائن الغزالي الإسلام وقد تعهد قائلاً :
( أهدم كل لحظة
مدائن الغزالي
أدحرج الأفلاك فيها أطفيء السماء ) .
وصور المسلمين في صورة تخبط وضياع وخرافة ، وأنهم يحملون جثث الأسلاف ويقصد تراث السلف ، وأنهم تائهون والرمل في عيونهم - رمتني بدائها وانسلت - ، يقول :
( مسافرون يخبطون
أين يذهبون ؟
من جثث الآباء يحملون
تمائماً
والتيه في أقدامهم طريق
والرمل في وجوههم عيون ) .
ثم يبدأ بقصة الإسراء والمعراج قائلاً :
( شددت فوق جسدي ثيابي
وجئت للصحراء
كان البراق واقفاً يقوده جبريل ، وجهه كآدم ، عيناه كوكبان
والجسم جسم فرس ، وحينما رآني
زُلزل مثل السمكة
في شبكة ) .
وليس هذا مجال دراسة مافي هذه المقطوعة من كفر وإلحاد ، ولكن نأخذ منها مافيه تهكم بالله تعالى وتنقص مما يخص هذا المبحث يقول جاعلاً نفسه هو الذي أسري وعرج به :
( وكان سيف النقمة المجبول بالدماء
معلقاً بالعرش ، قلت : سيدي
ارفعه عن بلادي
فقال : تم الحكم والقضاء
وسوف يفنى شعبك الحنيف مثل زبد بالطعن والطاعون
لكنك المفضل الحبيب - أدمٌ
خلقته من طين
وكان إبراهيم لي خليلاً
وأنت لي حبيب
وموسى
كلمته وبيينا حجاب
وأنت تلقاني بلا حجاب
وإن أكن خلقت من كلامي
عيسى ، فقد شققت من أسمائي
اسماً لك ، اقترنت بي
أعطيتك الكوثر
والحوض والشفاعة الكبرى ) .
( دهشت ؟ هذي قبة
سرير ، من عنبر عليه
حورية .
تضيء من خنصرها الحقول والفصول
هذي لن يموت شاهداً
بأنك الرسول ) .
وفي لهجة ممزوجة بالكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، يتعدى هذا الباطني جميع الحدود ، ويطرح أصناف خبثه ... ليكون طليعة الجبهة الحداثية الساعية إلى هدم الدين من خلال التهجم على صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى ، ففي النص السابق يجعل لله سيفاً من نقمة مجبول من دم ، وهذه إشارة يصف فيها الله تعالى بالظلم والقسوة ، ثم يصف هذا السيف بأنه معلق بالعرش ، ثم يكذب على الله تعالى ويجترئ عليه اجتراء المفتري ، ويزعم أن الله لقي النبي صلى الله عليه وسلم بلا حجاب ، مع أن سياق الكلام ليس عن شخص النبي عليه الصلاة والسلام ، وإنّما عن نفسه وكأنه يقص قصة أسطورية ، ثم يزعم أن الله اشتق اسماً من أسمائه ووهبه للنبي عليه السلام ، وأنه اقترن به ، تعالى الله عما يقولون ويفترون علواً كبيرا .
وبالمقابل نجد أنه يمجد نفسه ويطريها إلى حد التقديس ويضفي على ذاته من النعوت الخارقة مالايخطر بعقل ، فها هو في مقطع بعنوان : “ هذا هو اسمي ” يقول في أوله :
( ماحياً كل حكمة هذه ناري
لم تبق آية ، دمي الآية
هذا بدئي ) .
إذن فغايته الأصلية ومسعاه الأساسي محو الحكمة ، وحرق الديانة وإبادة الوحي والآيات ، هذه هي البداية التي ينطلق منها والنهاية التي يريد الوصول إليها ، ولكنه - خيب الله فأله - غير قادر على ذلك ، ومن الذي يستطيع أن يطفيء وهج الشمس بفمه ؟ .
ثم يكرر مدائحه لنفسه من خلال اسمه الأصلي علي أحمد سعيد ويقول :
( قادر أن أغير : لغم الحضارة - هذا هو اسمي ) .
ويقول :
( أرى المئة اثنين أرى المسجد الكنيسة
سيافين والأرض وردة ) .
ويقول :
( قدست رائحة الفوضى ) .
وفي تعالٍ وغطرسة متناهية يقول :
( وطني راكض ورائي كنهر من دم جبهة الحضارة
قاع طحلبي ) .
إلاّ أنه يصل حد الكفر البواح والغرور الكفري الجامح في قوله عن نفسه :
( ورأيت الله كالشحاذ في أرض علي ) .
ثم يقول :
( في طواحين الهواء
سقط الخالق في تابوته ) .
وفي مقطع آخر يتحدث عن اسمه الوثني “ أدونيس ” وعن الشعر والفكر الحداثي ، على أنه مجد وفرحة ، ومكر مثل مكر الله تعالى وتقدس ، يقول :
( لا مجد الغزوبل مجد الاستقبال
لا فرحة أن تغلب بل فرحة أن تحيا
لاتوحش العنف ، بل أنس مكر كأنه من مكر الله ...
... اقتربي أيتها الطالعة المحية ، أما قرأت “ ... أول المحبة معنى
أبداه سماه حسناً ، ثم أبدى شخصاً ألبسه ذلك المعنى ، وسماه حسنا
ثم قابل الحسن بالحب ، والمتَحسِن بالمحب ، والمستحسن بالمحبوب ) .
وتأبى عليه نزعته الباطنية إلاّ الانحدار إلى وهدة أسلافه من الباطنيين الملاحدة ، ففي أحد المقاطع الطويلة يتحدث عن النصيري الشلمغاني ، ويضمن كلامه في المقطع الذي يسمه شعراً ، ويقرر أقواله الإلحادية الحلولية التي تصف الله تعالى بأبشع الأوصاف ، يقول :
( يصلب الشلمغاني ويحرق
يكون من مذهبه
أ - الله يحل في كل شيء حل في آدم وفي إبليس
ب - خلق الضد ليدل على المضدود
ج - الضد أقرب إلى الشيء من شبيهه
د - الله في كل أحد بالخاطر الذي يخطر بالقلب
هـ - الله اسم لمعنى
و - من احتاج الناس إليه فهو إله ، لهذا المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلهاً
ز - ملاك من ملك نفسه وعرف الحق
ويقول الشلمغاني
اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات
لاتناكحوا بعقد
أبيحوا الفروج
للإنسان أن يجامع من يشاء
ويقول الشلمغاني
اقرأو كتابي - الحاسة السادسة في إبطال الشرائع
الجنة أن تعرفوني
النار أن تجهلوني ) .
وكل يميل إلى جنسه ، وكل يأنس بأشباهه وأمثاله ، كأنس الخنافس بالعقرب ، وقد تشاكلت عقائد الخبث بين أدونيس والشلمغاني ، كما تشاكلت عقائد الحداثيين العرب مع الملاحدة والإباحيين في بلاد الغرب ، فانتحلوا منهم ، وحاكوهم في ضلالهم ، وصاروا نسخاً مكرورة عن أسيادهم وقد عبر بعضهم عن هذا بقوله : ( حداثة الغرب النهضوية والعقلانية والعلمية كانت مفصلاً تاريخياً هاماً في حياة البشرية أعادت الاعتبار للإنسان ) .
وإذا كانت هذه نظرتهم وهذا هو معيارهم فإنه بلا ريب قد أتموا أدوار المحاكاة والتبعية إلى حد الانجرار الكامل والتلقي البليد ، تقول صاحبة المقولة السابقة : ( وجاء دوركهايم ليعلن أن المجتمع هو الله والله هو المجتمع ) ، وقد تبع العلمانيون والحداثيون العرب هذه المقولة وقلدوها وأنزلوها على وقائع عديدة وأحوال كثيرة ، واستخفوا بالله تعالى فوصفوه بالنقص ، وجعلوه - جَلَّ وَعَلاَ - هدفاً لسخريتهم واستخفافهم ، وجعلوا من هذه السخرية والاستخفاف منطلقاً لسائر ضلالاتهم الاعتقادية والعملية .
بيد أن تقليدهم للغرب قام على سوقه في أبواب الفلسفات والعقائد والمبادئ والأفكار ، ولم يفلحوا أدنى فلاح في اقتباس مايلزم للنهضة التقنية والإدارية ، بل غرقوا في حمأة الفلسفات الإلحادية والمادية والإباحية التي زعم الغرب أنها هي أصل التقدم التقني .
وما الحداثة التي اخترمت حيزاً من أبناء المسلمين وألقت بهم في أتون الشكوك والجحد والرفض والوجودية ، إلاّ صورة من صور الاقتباس والنقل الذي مارسته المدارس الحداثية العربية .
لقد أخذوا الحداثة بأوصابها وأخلاطها وإلحادها وفضائحها وضياعها ، وهذا ما عبر عنه أحدهم قائلاً : ( لعل إشكالية الحداثة هي الأكثر لبساً بين الإشكالات الثقافية والفنية التي شهدتها لوحة الثقافة العربية الراهنة .
ويبدو أن هذا اللبس والغموض المحيط بها ليس سمة الحداثة في حقل تداولها الاصطلاحي والدلالي العربي فحسب ، بل هي ولدت في سياقها الغربي متلبسة باللبس والشك والقلق ، والعقل المزدحم بتمزقاته وانشراخه في إضفاء التجسيد والحسية على عالم المجردات ، عبر التعايش المأزوم تجاه الكامن في داخل الإنسان الحديث ، الذي يعيش حالة تضاد بين نزعة مضادة للطبيعة وحنين متعاظم تجاه هذه الطبيعة الضائعة حيث لا أفق سوى العدمية والاستلاب ، بعد إعلان نيتشه موت الله وموت الجمال معه ، والفن لم يعد يعوض عن الحياة بل يساهم في تعميق الاستلاب نحوها ، فسيموت الفن تاركاً إيانا في العراء ، حيث الشمس السوداء للسأم والسوداوية شمس الفرح الحمراء وقمر الكارثة الشاحب ، فالعالم لايزال مقلوباً على الرغم من حلم ماركس بإقافه على قدميه ...
إن الباحث وهو يجهد لاكتشاف خصائص ومميزات الحداثة وسط العوالم القاحلة والعراء الروحي إلاّ من الشمس السوداء وقمر الكارثة الشاحب لابد أن يقر بصعوبة الإحاطة بكليتها عبر تناقضاتها وتفتت رؤيتها لذاتها وللعالم ... وهي إذ تطمح لإلغاء الطبيعة عبر تشييئها التقني لاتلبث أن تنتحب حنيناً إلى فردوس الطبيعة المفقود ، فقد اغتالت الله والجمال والأخلاق والفن وراحت تندب وترثي ما اجترحته يداها ... ) .
وهذا النص يثبت عدة أمور :
الأول : أن الحداثة العربية ليست سوى صورة منقولة من الغرب .
الثاني : أن الحداثة ولدت وهي ممتزجة باللبس والشك والقلق والانشراخ والتشاكس ، وذلك وفق منبتها في الأرضية الغربية المادية التي نبتت فيها .
الثالث : أن الحداثة ارتكست في عالم المادة والحسية ، ونشأت على ذلك ، فأنتجت ثمرات العدمية والجفاف والضياع والسأم والانحطاط .
الرابع : أن الحداثة تقوم فكرتها على إلغاء وجود الله تعالى وألوهيته .
الخامس : وصفه لله تعالى بالموت ، وأن الحداثة قد اغتالته ، كذب قائم على المبدأ التنقصي الذي تشيعه الحداثة العربية وتقوم عليه وتدعو له .
السادس : الإقرار بأن الحداثة عديمة الخلق ، ضائعة السبيل ، تائهة المقصد ، مدمرة للخلق والفن والجمال ، وفي هذا مايرد كل المزاعم التي يدعيها أزلام الحداثة وأتباعها في الجماليات الفنية والغنائيات الفكرية حسب تعبيرهم .
أمّا الزعم الكافر والوصف الملحد في أن الله تعالى مات أو اغتالته الحداثة فقول تافه وفكر منحط وفضلة إفرازٍ مادي ، نسأل الله السلامة من هذا الكفر ومن أتباعه والمحامين عنه والمعتذرين له .
فهل يرضى مسلم هذا الكفر البواح ؟ وقد اشترى الله من المسلمين دماءهم وأموالهم لنصرة دينه ورفع لواء شريعته وكبت الكافرين ، وهل فقد المسلمون حمية الإيمان ، والإحساس بالكرامة ؟ وهم يسمعون ويقرأون مثل هذه الأقوال التي تنز خبثاً ومكراً وكفراً وتستفز المسلمين في دينهم أصل عزتهم ، وفي عقيدتهم وتاريخهم وتراثهم وحضارتهم وأمتهم ، وكل معالم مجدهم وسؤددهم ؟ ! .
وقد سردنا أمثلة عديدة لذلك ، وما زالت جعبة أهل الحداثة مليئة بسهام الزيف والضحالة والارتداد ، بل لاتفتش أحداً منهم إلاّ وتجده يجاهر بالكفر أو يلحن بأقوال تدل على قرارة نفسه السوداء { ولَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ } .
فهاهو المتردي نصر حامد أبو زيد يسخر من صفة علم الله - جَلَّ وَعَلاَ - فيقول متهكماً : ( وأمّا الحديث عن أسباب النزول أو النسخ فقد كان ذلك معلوماً لله منذ الأزل ثم تركب التنزيل على الوقائع في خطة إلهية محكمة معدة سلفاً ) .
ويواصل سخريته قائلاً : ( بل إن كل ما نقول الآن من أقوال وما قيل قبل ذلك وما سيقال معلوم لله مراد له ، فكل ما في الكون من أشياء وأحداث ووقائع وأفكار وعبارات مراد له وجزء من كلماته التي لاننفذ كما ورد في القراءات ) .
ثم ينسرب بعد هذا كله ليقول بأن نسبة القرآن إلى الله تعالى غير قطعية ، بل هي تبرير ديني لوضع اجتماعي ، وأن القرآن استمد القداسة من الامتداد التراثي والعبق التاريخي ، والوهم بأن ذلك هو الإسلام ذاته .
ثم يتكيء اتكاء العاجز عن الحجة والبرهان إلى أقوال المعتزلة في زعمهم الباطل أن القرآن مخلوق ويصف هذه البدعة بأنها فكرة حيوية وحضارية ، وأنها هي التي أبدعت وانجزت الإنجازات التي أفادت منها أوروبا فيما بعد !! .
يقول : ( ... كان المعنى النقيض الذي ساد بعض الوقت ثم تم تهميشه بعد ذلك هو أن القرآن حادث مخلوق ارتبط إيجاده وإنزاله بحاجة البشر وتحقيقاً لمصلحتهم ، ومن السهل أن ندرك أن هذا المعنى النقيض كان جزءاً من بنية فكرية أخرى تطرح رؤية للعالم والطبيعة والإنسان تتسم بالحيوية والديناميكية ... وغني عن القول أن تلك الرؤية النقيضة هي التي أبدعت وأنجزت في مجال المعرفة العلمية تلك الإنجازات التي أفادت منها أوروبا ...
وإذا كان معنى قدم القرآن وأزلية الوحي يجمد النصوص الدينية ويثبت المعنى الديني ، فإن معنى حدوث القرآن وتاريخية الوحي هو الذي يعيد للنصوص حيويتها ، ويطلق المعنى الديني - بالفهم والتأويل - من سجن اللحظة التاريخية إلى آفاق الالتحاق بهموم الجماعة البشرية في حركتها التاريخية ... إن القول بحدوث القرآن يظل ذا أهمية تاريخية من حيث المعنى والدلالة ... الذي ندعو إليه هو عدم الوقوف عند المعنى في دلالته التاريخية الجزئية ، وضرورة اكتشاف المغزى الذي يُمكن لنا أن نؤسس عليه الوعي العلمي التاريخي .
إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية ) .
في هذا النص المليء بالمغالطة والكذب والضلال والانحراف تساوق مزدوج يبدأ من ذيول المعركة الخاسرة بين أهل السنة والمعتزلة ، وينتهي إلى المعركة العلمانية الحديثة التي سوف تنتهي بالهزيمة للضلال كما انتهت قبلها كل معارك الكفر ضد الإسلام .
وإذا كان علماء المسلمين في القرن الماضي شنوا هجومهم المبارك على المستشرقين وكشفوا بالحقائق والبراهين زيفهم وكذبهم وتحاملهم ، فإنهم اليوم في حاجة شديدة إلى حملة أخرى ضد أذيال المستشرقين والملاحدة الغربيين من أمثال هذا الأفاك .
إن نفيه لصفة العلم لله تعالى وتهكمه بها ، ثم نفيه لصفة الكلام وجعله القرآن مخلوقاً ، ثم زعمه بأن قول أهل السنة هو أن القرآن قديم ، كل ذلك من الكذب المفترى والإفك المبين ، وهو نموذج من نماذج الحداثة الفكرية التي يراد لها أن تكون هي السائدة والشائعة ، من خلال هيمنة سياسية عميلة ، وإعلام مسخر للشر والفساد والإفساد ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم .
وإذا كان نصر أبو زيد قد استعذب أقوال معلميه من الملاحدة الكافرين فأضحى مردداً لها ، فإن في حقائق العقل ويقينيات الدين وقطعيات البراهين مايدحض أوهامه التي يحاول أن يصورها في شكل علم وبرهان ، وهي في الحقيقة ليست سوى دعاوى مدعمة بأدلة الكذب والأوهام .
إن غاية مراده من كل أباطيله أن يصل إلى جعل الدين ونصوصه المقدسة مجرد نصوص لغوية - كما قال - يُمكن نقضها ونقدها ومخالفتها ومحاربتها تحت شعار أنها ذات ( ... دلالات مفتوحة وقابلة للتجدد مع تغير آفاق القراءة المرتهن بتطور الواقع اللغوي والثقافي ) .
وما دمنا نتحدث في مجال وصف أهل الحداثة لله تعالى بأوصاف النقص ، فإن من المناسب أن نذكر بعض مرامي هذا المفتري في كلامه السابق .. ، فإنه بعد أن قدم بتلك المغالطات الواضحة واستند إلى أقوال المعتزلة مبجلاً مطرياً ، أعاد باطله في صيغة أخرى حيث قال : ( ... فالقرآن كلام الله وكذلك عيسى عليه السلام رسول الله وكلمته ... ، وإذا كان القرآن قولاً ألقي إلى محمد عليه السلام ، فإن عيسى بالمثل كلمة الله ... ، والوسيط في الحالتين واحد وهو الملك جبريل الذي تمثل لمريم بشراً سوياً وكان يتمثل لمحمد في صورة أعرابي ، وفي الحالتين يُمكن أن يقال : أن كلام الله قد تجسد في مشكل ملموس في كلتا الديانتين : تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح ، وتجسد في الإسلام نصاً لغوياً في لغة بشرية هي اللغة العربية ، وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشرياً ، أو تأنسن الإلهي ) .
ثم يكرر القول : ( أصبحنا في موقف يسمح لنا بالقول بأن النصوص الدينية نصوص لغوية شأنها شأن أي نصوص أخرى في الثقافة ... وإذا كنا هنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية فإن هذا التبني لايقوم على أساس نفعي إيديلوجي ... ) .
إن منتهى هذه الأقوال نفي الدين بكامله ، وجحد الألوهية بالكلية ، ومناقضة الإسلام تمام المناقضة ، لكن بطريق متلوي وتحت مسميات الدراسة اللغوية والألسنية البنيوية ، فنفي صفة الكلام لله وجعلها مخلوقة ، والخلط بين كلام الله تعالى الذي هو صفة من صفاته ومنه القرآن العظيم وبين المخلوق بأمر الله تعالى وهو عيسى عليه الصلاة والسلام ، كل ذلك من أبواب التلبيس والتدليس والمغالطة .
فالله - جَلَّ وَعَلاَ - خالق ، وكل شيء سوى الله تعالى وصفاته مخلوق ، وكلام الله صفة من صفاته والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، وعيسى عليه الصلاة والسلام مخلوق وبأمر من الله وكلام منه - جَلَّ وَعَلاَ - وأمره وكلامه من صفاته وليست مخلوقة ، كما قال تعالى : { أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ } فقد فرق - جَلَّ وَعَلاَ - بين الأمر والخلق ليدلنا على أن الأمر غير الخلق ولو كانا شيئاً واحداً لما فرق بينهما .
ولسنا هنا في مقام الدحض لأقوال أبي زيد على طريقة محاجة أهل السنة لمخالفيهم من أهل الملة ؛ لأن كلامه ينبع ويصب في حقول الإلحاد المظلمة ، ويكفيه إلحاداً وكفراً أنه جعل كلام الله تعالى مخلوقاً بل جعله مجرد نصوص لغوية مثل الشعر والقصة والرواية ، بل تبنى القول ببشرية النصوص الدينية حسب تعبيره ، وواحدة من هذه تخرج من الملة فكيف وقد اجتمعت كلها ؟ ! ، نسأل الله العافية والسلامة ، ونعوذ بالله من الكفر وأهله .
وعلى منوال التنقص الذي اتخذته الحداثة شعاراً لها وأساساً لمنطلقاتها ، يتحدث حسن حنفي عن صفات الله تعالى باعتبارها مجازاً في حين أن صفات المخلوق - كما يزعم - حقيقة ، مستنداً إلى أقوال بعض المبتدعة من السابقين ، زاعماً أن سؤالاً وجه إلى أحد علماء اللغة القدامى : ( والسؤال هو : أيهما أصح ؟ هل الله عالم قادر سميع بصير متكلم مريد بالحقيقة ، وأنا كذلك بالمجاز ؟ أم أن الله عالم قادر حي سميع بصير متكلم مريد بالمجاز ، وأنا كذلك بالحقيقة ؟ ) ، ثم يقول بأن عالم اللغة هذا انتهى : ( لأن يقول بأن الرأي الثاني هو الأصح ... إن هذه أشياء حقيقة عندي ، فأنا أسمع وأبصر وأتكلم وأريد ، ولما أردت أن أقيس على الشاهد وصفت الله كذلك فأنا كذلك في الحقيقة وهو كذلك بالمجاز ، فكل الوحي مجاز ، وكل لغتنا مجاز وكل كلامنا مجاز ، وهو تقريب لفهم الواقع ، وتلك هي أهمية الخيال ) .
فما دامت صفات الله عنده مجاز والوحي مجاز في حين أن الإنسان حقيقة ، فإن مؤدى هذا القول الضال أن الله تعالى ليس بحقيقة ولا وحيه حقيقة ، بل ضرب من ضروب الوهم والخيال .
بل يصل به التنقص لله تعالى والسعي لهدم دين الإسلام ونقض عراه أن قرر بأن أي كلام تقوله يصح أن يكون قرآناً ، وذلك في قوله : ( ... الحداثة تبدأ بالالتحام المباشر مع الواقع ، فالبنسبة لقضية فلسطين ، هل أنك تحتاج إلى العودة إلى القرآن والحديث لتنادي بالتحرير ؟ وفي قضية الشعر والفن ، هل أنت محتاج إلى نص قرآني أو حديث نبوي لكي تعرف أو تجد حلاً لقضايا الشعر والفن وقضايا الوحدة والتجزئة ، قضايا الهوية والاختلاف ... الخ ، وهذا يعني بأن الإلتحام المباشر بالواقع يجبُّ أحياناً كل نص ، بل إنك كما قال مالك بـ، أنس : “ ما رآه المسلمون حسناً فهو عندالله
حسن ” قل أنت : قال الله في كتابه الكريم : يا شباب الحجارة ويا أطفال الحجاة استمروا ، ويكون كلامك صحيحاً ... ، إن المسلم يجوز له أن يضع نصاً يعبّر به عن مقصدٍ في الواقع ويكون مصدراً للحكم ) .
إنه يقرر بكل استخفاف وسخرية بأن الإنسان يُمكن له أن يقول أي كلام فيصبح هذا الكلام قرآناً أي يصبح مثل كلام الله .
{ انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفَى بِهِ إثْماً مُّبِيناً } .
ومن أخبث أقوال العتل الزنيم حسن حنفي في هذا الصدد قوله في صيغة إعجاب بالصوفية في ندوة “ الحداثة والإسلام ” : ( ... والصوفي يتحدث بحرية تامة مع الله ، ويتكلم عن علاقته العشقية مع الله ، وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى ، الله يعامله جنسياً وهو يعامل الله جنسياً ... ) .
أمّا نزار قباني فإنه يصف الله تعالى بالجهل وعدم المعرفة بالإنسان وقلبه وعواطفه ، وذلك في قوله : ( ... القلب الإنساني قمقم رماه الله على شاطيء هذه الأرض ، واعتقد أن الله نفسه لايعرف محتوى هذا القمقم ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه ، والشعر واحد من هذه العفاريت ) .
ويصف الله تعالى بأنه دبيب شعري وإيقاع ، وأن موت القصيدة هو موت لله تعالى ، إلى آخر كلامه النجس الدنس المليء بالكفر والضلال ، حيث يقول : ( إن الله عندي هو دبيب شعري ، وإيقاع صوفي داخلي ، والشعور الديني لدي ، هو شعور شعري ، والكفر عندي هو موت صورة الله القصيدة في أعماقي ) .
ويبلغ به التهكم والتنقص بالله تعالى أخبث غاية حين يقول : ( ... وماذا يكون الشعر الصوفي سوى محاولة لإعطاء الله مدلولاً جنسياً ) .
أمّا النصراني يوسف الخال فقد قرر بأن مسرحية الحلاج لصلاح عبدالصبور تصل إلى قاعدة نصرانية ويفسر ذلك بقوله : ( عندما قال الحلاج : مافي الجبة إلاّ الله ، فعلى الطريقة نفسها التي قال بها المسيح : أنا في الأب والأب فيّ ، فالمسيح والحلاج قالا إن الله يمشي على الأرض ، إنه إنسان ، انسنة الله ... ) .
سلام الله وصلاته على المسيح عيسى ابن مريم ، فقد كذبت عليه النصارى وافترت ، كما كذبوا على الله - جَلَّ وَعَلاَ - .
وإن من التدنيس أن يقرن نبي الله عيسى عليه السلام بالزنديق الحلاج ، ويجعلان في سياق اعتقادي كفري واحد ، نزه الله نبيه عن ذلك .
أمّا وصف الله بأنه يمشي على الأرض وأنه إنسان فوصف كفري من كافر ملحد ، ولكنه إضافة إلى ذلك ، يعد من أصول مبادئ الحداثة العربية ، وهو ما يعبرون عنه بتأليه الإنسان وأنسنة الله كما قال يوسف الخال ، فسبحان الله العظيم وتقدس الملك القيوم عما يقولون .
وفي سياق استخفافِ وتنقصِ يوسف الخال بالله الجليل ، يقرنه بالمرأة ، ويجعل وصف المرأة وصفاً لله - جَلَّ وَعَلاَ - ، يقول : ( ليس ضرورياً أن يصف الشاعر امرأة يحبها ، أن يصف عينيها وصدرها وجسدها ، العيون الخضر والقامة البيلسان وما إلى ذلك ، من وحي هذه المرأة قد يكتب قصيدة عن الله ) .
أمّا عندما يزعم إمعات الحداثة من أبناء المسلمين أن رواد الحداثة من النصارى قد تخلو عن عقائدهم القديمة في الصلب والتثليث فإنا ننقل لهم بعض أقاويل الخال المشبعة بقعيدته النصرانية ، وما النص السابق إلاّ واحداً من نصوص كثيرة ، منها قوله في تمجيد الأولمب وأثينا وما نتج عنها من فكر ونظام :
( يا لفتحٍ للفكر مهد للحق
سبيلاً وزف خير البشائر
هوّ ذا الله عن خطاياي مصلوباً
يريني وجه المحبة سافر
فالتقى العالمان : الشرق والغرب
وشدّا على الوداد الأواصر
ايه حريتي إذا تم نصري
بفداء من المحبة سمح ) .
فهاهي كلماته الزائفة تنضح بالنصرانية المحرفة ، وتضج بالانحراف في وصفه الله تعالى بالصلب ، وفي ربطه التقدم والحرية بالعقائد الوثنية والخرافات النصرانية .
ويَمضي في تخبطاته الإلحادية واصفاً العظيم الجليل - جَلَّ وَعَلاَ - بأنه أُنزل على الأرض ، وأنه مات ، وفق قاعدة الحداثيين والعلمانيين الملاحدة الذين يجعلون ذلك أساساً لمنطلقاتهم الإبداعية والفنية والفكرية فيقول - متحدثاً عن الإنسان وطموحاته - :
( وكم تاق إلى الفعل فأعلى
هرماً ، أو أنزل الله على الأرض
إلهي حينما مات ألم
يشفع به الوهم الذي كانا ) .
وفي مقطع له بعنوان الحوار الأزلي ، يخاطب الله تعالى بخطاب مليء بالشك والريب والاستخفاف والنقص ، وهو مقطع يُمكن من خلاله تلخيص مقاصد الحداثة ومآربها الاعتقادية ومشاريعها ، ورموزها التي تتخذها للتعبير عن التخلف مثل الرمل والتماسيح والظلام والبوم والغربان والغيم الأسود والطوفان ، وأخرى للتعبير عن التقدم مثل النور والبحر الذي هو الغرب .
وهو مقطع يتحدث فيه عن نشأة الإنسان وذكر فترات حياته وفق النبوات ، ويصف الله بأنواع كثيرة من النقص والازدراء بدءاً من سؤاله في المطلع :
( متى تُمحى خطايانا
متى تورق آلام المساكين ؟
متى تلمسنا أصابع الشك ؟
أأموات على الدرب ولا ندري ) .
ثم يقول على طريقته وعقيدته النصرانية :
( إذا ما استفحل الشر :
صليب الله مرفوع على رابية الدهر ) .
ونحوه قوله :
( صليب الله لم يمح خطايانا ) .
ثم يسأل سؤالاً كافراً :
( متى يعرى ، إله ملأ العين
إله لم يمت بعد ... ) .
ثم يعود إلى مذهب الحداثي الذي سماه قبلاً “ أنسنة الله ” تعالى الله وتقدس فيقول :
( وهذا الزاحف العاري أإنسان ؟
أإنسان على شاكلة الله ؟
أراه قُدّ من لحم الشياطين ) .
ثم يجتريء في وقاحة فيصف الله - جَلَّ وَعَلاَ - بالموت ويجعله لحماً وخبزاً ودماً وخمراً يؤكل ويشرب ، تقدس الله وتنزه عما يقول الحداثيون :
( غراب البين لم يرحم ضحايانا
ولم ينهض من القبر سوى الله
سوى شيء هو الله ، أكلنا لحمه
خبزاً ، شربنا دمه خمراً
فما أشبعنا الخبز
ولا أسكرنا الخمر ) .
وهكذا تنشأ الحداثة في هذه المراتع الوخـمة ، وعلى أيدي هؤلاء الحاقدين ، أعداء الدين والإنسانية وحلفاء الرذيلة والشيطان ، وعلى هذه النماذج تتكون أفكار وعقائد الحداثيين ومشروعاتهم .
ومن أقواله في وصف الله تعالى بالنقص قوله :
( ندق بوابة النعيم
تنزف أيدينا
يقال هذا حظنا القديم
والله صامت فينا ) .
وقوله :
( والله في ديارنا مشرد
يود لو أن يداً جريئة
تعيده ) .
وقوله :
( وحين أموت خذوا جسدي
ولاتدفنوه
لئلا يقوم مع الفجر يوماً
ويكشف سر الإله
مع الشوق يحلو لنا الانتظار
وإن فرغت خمرة في الكؤوس
فهاهو ذا الرب بين الحضور ...
وفي الحب تنكشف الأحجيات
فلايتدحرج صخر القبور
ولايصعد الله نحو السماء ) .
وأمّا محور كلامه عن الله فهو يبدأ ويعود إلى وصفه - جَلَّ وَعَلاَ - بالموت من جنس قوله :
( ونعش الإله القديم ) .
وهذا المحور الذي يدور كلامه عليه ، هو المحور ذاته الذي تدور عليه قضية الحداثة من أولها إلى آخرها ، وإن زعم المغفلون غير ذلك .
والشاعر التموزي النصراني الحداثي الآخر جبرا إبراهيم جبرا أستاذ الجيل الحداثي ومفخرة الأدب الحداثي ، له في هذا المسلك الشائن مثل الذي لأشباهه ، ومن ذلك قوله عن المرأة المحتشة :
( اتلك التي وراء الجدار المهدم قلت لها
حديقة الله في هذا الجسد ) .
وهذه إضافة تدنيس وتنقص ، مثل قوله :
( في وجه الفضاء والأفنان العوالي تنحني
كأقواس الكنائس الشواهق
والله يهدر صوته بين الشجر ) .
وفي مقطع كتبه بالأحرف اللاتينية ( AGNUS DEI ) وترجمتها “ قتل الإله ” ، أو “ لا أدري ” الإلحادية المنسوبة لمذهب اللاأدرية الذي سبق الحديث عنه ، يقول :
( يا حمل الله الحاملَ خطايا العالم
قطّر دمعنا لفظاً ) .
وثالث أثافي الشر الحداثي النصراني “ توفيق صايغ ” يستخدم كل وسائله التصريحية والتلميحية ، ومصطلحاته النصرانية في سياق تهجم وتنقص بالله تعالى ، فمن ذلك قوله :
( أأنا الملومُ
إن أنت نفيتني
وأنت وصمتني
وقلت : فتش عن الفداء
وسقت عني الفداء
أأنا أصفّد
لدخولي منزلاً
أنت عينته لي
ومفتاحك أدخلني فيه ؟
أناتك يا واصمي
رضيت الوصمة
وكفارة وسّعت وصمتي
أفلا يكفيك هذا
إلهي ألا يكفيك ؟ ) .
وقد أثنى سعيد عقل على هذا الكفر الأصلع وامتدح هذا الظلام الدامس فقال : ( ... وهاهو ينقلب بشراً ، يعرف الألم حتى النهاية ، أشبه بذاك الإله هو ... يتجرأ على الله “ أأنا أصفّد ؟ ” يصرخ
في وجهه ، أصفّد لولادتي في عالم أنت عينته لي ؟ حيرتني ، حيرتني إلهي ! ويكاد بالحجارة يرشق مطلات السماء ) .
وعبر عن إعجابه بنظيره الصائغ بقوله : ( إنه مزيج من شبق ولا هوت ) .
غير أنه صدق حين قال عنه : ( إنه كل شيء سوى اللاشيء ، هذا الذي جاء آخر الزمن في عصر يتنفس العدم تنفساً في الفلسفة والشعر وفي الفن جميعاً ) .
وهذه العدمية أليق وصف يستحقه الصائغ وسعيد عقل وكل اتجاه الحداثة الذي شبع من عفوناتها وارتوى من نتنها وهو في غاية الغبطة والافتخار !! .
ولتوفيق صائغ مقاطع عديدة في التهكم بالله تعالى ومخاطبته بسخرية ووصفه بأوصاف النقص منها المقطع الذي سبق النقل منه في عدة مواضع من الفصلين السابقين ، ومن أقواله في هذا المقطع البذيء مما يخاطب به الله تعالى ، قوله :
( ورسمك الذي بدا يتهلهل ) .
( أأدركت ما بنا
أم أأعماك الغرور واللاانتظار
وإباؤك أن ترانا انتشينا ) .
( نقعتنابها بحمأة الترجي
ولا رجاء
ونفضتنا عنك أرخص مما اشتريتنا
ولم تخلف لنا
غير وعد برسول من لدنك
ينقل لنا خيراتك ... ) .
( ... ولم نعذب رسولك ليبوح
أنك مغلوب كايانا
وفي عوز مثلنا وأسر وصحراء
ورسالاتك هذه إلينا
استغاثات لا غرام
وتقربك الآن إلينا
ليس حباً بقربى
لكن لتسكين إبرة فيك
لاتكل ) .
سبحان ربي العظيم وبحمده .
ومن أقواله أيضاً :
( سيعرّف الليلة
الإله الشبق
تلك التي
لم تعرف مثلها مع رجل ) .
وقوله :
( عُذرتها ألهتها
أهلت أمها أن تسمى
حماة الله ) .
وقوله - أحرقه الله في جهنم - :
( الإله الصبي
كيف يشيخنا
يقلبنا زبانية ؟
المكتنز الخدين كإليتين
كيف يحفر في خدودنا
وتحت عيوننا الجور
الهشُّ اللعوب
يصب الصلب
في القلوب ... ) .
ومن مقاطع الكفر المقطع الذي سماه ( صلاة جماعة ثم فرد اقتباس من ريلكه ) .
وفيه :
( إلهتنا الفتية العتيقة ، نخشاها ونهواها
تتقاضين دماءنا وتبعثين فينا الزغاريد
والقفزات المجنونة القدسية الفاحشة
موحى الأغاني وحدك وفحواها ... ) .
( إلهتنا الزراعة الغيرة
المبينة عبث سخافة الغيرة والحسد :
... المتعبد الحابس نفسه
أيحبس الله في الصومعة ؟
المفكر ، الدارس اللهَ
أتحتكرَ الله أوراقُه ؟
المبشر أله الله وحده
ولأجلافه وأدغاله ) .
وفي أحد الكتب التي ألفت للإشادة بتوفيق صايغ والدعاية له ، والتي جمع فيها المؤلف بعض كتاباته التي لم تنشر يقول في بعضها : ( ... جملتي لخليل عن ضرورة التقاء الله والشيطان فيّ ) .
ويقول المؤلف أنه وجد على ورق كرتون صغير بخط يد توفيق ما يلي : ( يا إلهي ، هل ستكون مثلهم جميعاً ! لن تصدقني ، لن ترضى بمنطق ، ستكون مشككاً ستغتابني وتقلب الأركان سراً من تحتي ... ) .
والحداثي النصراني الآخر وهو أنسي الحاج رتع في هذا المرتع الوخم أخبث ما يكون الرتع .
فمن ذلك وصفه بأن الله - جَلَّ وَعَلاَ - قد قتل ومات ، وهو المعنى الذي أكرر القول بأنه أصل من أصول الحداثة الغربية وذيلها من الحداثات الأخرى ، والتي منها محل البحث “ الحداثة العربية ” يقول أنسي الحاج : ( تقتل الكلمة جسد الله بعد قتل الله روحاً وجسداً ) .
ويصف الله تعالى بالدهشة حين خلق الخلق وهو معنى تهكمي واضح ؛ لأن الحاج وأضرابه من ملاحدة الحداثيين ينكرون - أصلاً - وجود الله ، ولكنهم يستخدمون أساليب التهكم والتنقص لزعزعة
الإيمان وتهوين أقوال الكفر ، وتطبيع عقائد الإلحاد ، وهذا هو الذي حدث فعلاً ، فإنه قلما تجد من يدمن قراءة كتب هؤلاء - بعين الرغبة في الاستفادة منهم - إلاّ وتجد هيبة الله تعالى قلت في نفسه ، وتوقيره - جَلَّ وَعَلاَ - انعدم ، والحياء منه انطمس ، أمّا من انغمس معهم في خوضهم وضلالهم ، فأصبح كما قال الله تعالى : { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } .
يقول أنسي الحاج : ( العشق الأول ، الأول ، الأقرب مايكون إلى دهشة الله الأولى بمن خلق ) .
ويقول : ( لم أجد الله كما وجدته حين لم أعد احتمل أفكاري ) .
ويقول : ( اللهو المجنون من صفات الألوهية ، والفن لهو ، الفنان في لحظة الخلق فلذة إله ) .
وينسب المجرمين إلى الله تعالى ، ويقصد بهم أهل الدين ، الذين يقاومون الكفر والإلحاد ، يقول : ( مجرمو الله ، في أي زمن وإلى أي إله انتسبوا هم طارئون على فني الإجرام والقداسة معاً ... ) .
ثم يضف قائلاً : ( الصلاة تسقى الله كما يسقي الحب المرأة ) .
ويقول : ( الله خلق الإنسان وسرعان ماندم وقال ما هكذا كان المقصودان يصير ) .
ويقول : ( الله في البركة مطمئن وفي النهر منزعج ، الصمد يرتاح في جمود الحركة ويراقبها بعيون الغدران والمستنقعات ) .
( هل يستطيع الله أن يبطل إلهاً ) .
ويقول : ( الله مهما اختلفت الرؤى حوله ، يتمثل لنا بصورة شبه دائمة رمزاً للاستيعاب الأوسع ، الأشمل ، تستطيع أن تتمرد عليه وتنعم في الوقت ذاته بعفوه نتمرد على الله كما نتمرد على الأب ، تستطيع أن تكون شيطاناً في كنف الله ... الله يلحظ سقوطي ويحتويه ، إنه معي حتى ولو كنت ضده ... صورة الله في كتابات بعض الأنبياء هي صورة السلطان الذي كانوا يشتهون
أن يكونوا الله أول الدمع ... لا دموع إلاّ دموع الله فوقها ) .
ويقول : ( الفن ليس براعة بل استقباله الله ) .
وأقواله الخبيثة في السخرية والاستهزاء وإلحاق أوصاف النقص بالباري كثيرة ، وخاصة في ديوانه المسمى “ لن ” ذلك أن هذا المنحى من أهم مطالب الحداثة العربية ، ومن أبرز ظواهر فكرهم واعتقادهم الخبيث ، ولذلك تجد أنهم تواطأوا على ذلك : { أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } .
ومنهم الحداثي الشيوعي العراقي سعدي يوسف الذي يقول :
( نقدم بلداناً عارية إلاّ من بدلات جاهزة
ونشيداً للمنتصرين على أطفال الله ) .
ويقول :
( يا أيها الملقى على أرضٍ - وإن قربت - غريبة
لكائن طعم الله طين ) .
ومنهم الرافضي المنبت ، الشيوعي المبدأ الحداثي العراقي مظفر النواب ، الذي بلغ به انحرافه إلى حد الإلحاد الصريح ، والتهكم الواضح بالله - جَلَّ وَعَلاَ - ووصفه بأوصاف هابطة - جَلَّ الله وَتَقَدَّسَ - وذلك في مثل قوله :
( تلك شيوعية هذي الأرض ، وكان الله معي يمسح عن قدميه الطين
فقلت له : أشهد أني من بعض شيوعية هذي الأرض
... اتقنت تعاليم الأهوازي ، ووحدت النخلة والله وفلاحاً يفتح نار
الثورة في حقل الفجر ... تكامل عشقي ) .
فهذا هو نسبه الاعتقادي من الأهوازي الرافضي الباطني إلى الشيوعية الإلحادية ، وبين هذا وذاك أوصاف النقص التي يحاول إلصاقها بالله تعالى ، ومن أقواله :
( ركض البستان ، وكان الرب على أصغر برعم ورد
ناديت عليه ستقتل
فاركض
ركض الرب ) .
ويقول :
( ثمل الله بنا
مما فهمنا أدب الشرب
وأنهينا القناني
حيرة في لغزه
سماره كنا
وكان الأرقا ) .
وعند هذه الأقوال يقول مؤلف الكتاب المخصص لمدحه والدعاية له : ( وهو لايشرب ليشارف المطلق فحسب ، وإنّما ليسكر المطلق نفسه ) .
ويقولان في تحليلهم النقدي الحداثي لشعر النواب : ( ... إن حضور “ الله ” في شعر النواب ، حضور راسخ وأصيل .. حضور مشارك جميل ، حضور له خصوصيته العالية فهو ليس مفارقاً يستدعى الحنين إليه ، وليس طقوسياً تحجبنا مراسيم الدخول إليه ، ولا صاحب دينونة تعطفنا عوامل الرغبة والرهبة عليه ، والرائع في حضور “ الله ” في شعر النواب أنه ينبثق من اللحظات الحرجة التي يشكل حضوره فيها جمالية ودهشة يولدهما الألفة الحميمة بين المتناقضات ) .
ثم يستشهدان بقوله :
( طائر اللذة
ملقى بين ضلعيك سجينا
خذ رشيفات وحرره قليلاً
ربّما يشتاق من نافذة الحانة لله
ويغري الأفقا ) .
إن في التحليل السابق الذي هو جزء من التحليلات النقدية الحداثية إيضاح لمدى الاستخفاف الذي انحدرت إليه جاهلية الحداثة العربية ، حيث جعلوا الله تعالى مجرد لفظ يستخدم وتعبير فني يولد
الدهشة ، وحضور جمالي يستخدمه الشاعر الحداثي بالصورة التي يريد ووفق الأوصاف التي يحب ، وكأن الله - تعالى وتقدس - مجرد لفظ ، بل هو عندهم - قاتلهم الله - مجرد كائن يتحدثون عنه مثلما يتحدثون عن أي شيء لا قيمة له ، وغايتهم من كل ذلك تحطيم معنى الإجلال والتعظيم والقداسة التي لله تعالى في قلوب المسلمين ، وأنّى لهم ذلك ؟ ! .
ومن أقول النواب الخبيثة قوله :
( يا من رأى الله شاحنة ليس تلوي ) .
وقوله :
( ارجحتني على الكون أمي كحلم النوارس
فالتبس الله عندي بكل البشر ) .
وقوله :
( ماذا على موجة الله كانت تبث ) .
وقوله :
( فإن سكن الخلق
يأخذ عزلته بزاويا من الله عابقة بالشراب
ويثمل بالله سبحانه
والبلاد التي درجات الكحول بها
لم تصلها الخمور ) .
ومنهم العربيد التائه أمل دنقل ، الذي يقول :
( وألمح - من خلال الموج - وجه الرب
يؤنبـني ) .
( يطالعني الندى والله والغفران
وأسقط بين نهديك ) .
ويجعل لله تعالى خاتماً وكأنه واحد من البشر فيقول :
( وعيناك فيروزتان تضيئان
في خاتم الله ... كالأعين ) .
ويقبس من عقائد أساتذته في الحداثة ، من اليهود والنصارى ويقرر عقائدهم الضالة في قوله :
( ارتاح الرب الخالق في اليوم السابع ) .
ويظهر نفسه في منزلة الند لله تعالى في قوله :
( حاذيت خطو الله لا أمامه ، لا خلفه ) .
ويقول :
( ورأيت ابن آدم ينصب أسواره حول مزرعة
الله ، يبتاع من حوله حرساً ، ويبيع لأخوته
الخبز والماء ... ) .
ويقول :
( فهل نزل الله عن سهمه الذهبي لمن يستهين به
هل تكون مكان أصابعه بصمات الخطاه ) .
ومثل أكثر الحداثيين في اقتباس عقائد التصوف من حلول واتحاد ووحدة وجود يقول :
( أن ينهض الجسد المتمزق مكتمل الظل
حتى يعود إلى الله .. متحداً في بهاه ) .
ومنهم الداعر الحداثي المشتغل بالجنس والمرأة ، والمتفاخر بالزنى والكفر ، شاعر الغناء والشباب نزار قباني ، وأقواله الشنيعة في وصف الله تعالى بما لايليق بجلاله وعظمته وقداسته ، كثيرة جداً ، وسوف أذكر منها بعض الشواهد على انحرافه وانحراف أدب الحداثة الذي هو أحد زعمائه في البلاد العربية يقول مخاطباً الله تعالى في عبارات تهكم شديد :
( من أين يا ربي عصرت الجنى وكيف فكرت بهذا الفم
وكيف بالغت بتدويره وكيف وزعت نقاط الدم
وكيف بالتوليب سورته بالورد بالعناب بالعندم
وكيف ركزت إلى جنبه غمازة تهزأ بالانجم
كم سنة ضيعت في نحته قل لي ألم تتعب ألم تسأم )
ويقول واصفاً الله تعالى بالغرور :
( عندي أنا لؤلؤة
أين غرور الله من غروري ) .
وفي قصيدة له على لسان لعوب تخاطب رجلاً من بلاد البترول ، يقول :
( على أقدام مومسة هناك دفنت ثاراتك
ضيعت القدس بعت الله بعت رماد أمواتك ) .
ويخاطب عشيقته واصفاً نفسه بالمل وواصفاً الله - جَلَّ وَعَلاَ - به فيقول :
( وحاولي مرة أن تفهمي مللي
قد يعرف الله في فردوسه المللا ) .
ويجعل لله عمراً - تعالى الله وتقدس - ويقرنه بعمر البحور فيقول :
( عمر حزني
مثل عمر الله .. أو عمر البحور ) .
ويقرن بيروت بالله تعالى ، ويصف الله بأنه في كل مكان ، كما يقول بذلك أهل وحدة الوجود فيقول :
( قرري أنت إلى أين
فإن الحب في بيروت مثل الله في كل مكان ) .
ويقرن محبوبته بالله - جَلَّ وَعَلاَ - ويجعل حبها دليلاً على أن الله قد عاد إلى الأرض ، وهي بذاءة اعتاد الحداثون تكرارها ، يقول قباني :
( حين أحببتك
لاحظت بأن الكرز الأحمر في بستاننا
أصبح جمراً مستديراً ...
وبأن الله
قد عاد إلى الأرض أخيراً ) .
ويخاطب عشيقته التي انصرفت عنه إلى عشيق آخر ، ثم يصف الله تعالى بأنه يُباع في جلسة جنس وطرب تعالى الله وتقدس ، يقول :
( فأنا أعرف ياسيدتي
أن أحلامك أن تلتقطي
بدوياً عاشقاً
يرهن التاريخ عند امرأة
ويبيع الله في جلسة جنس وطرب ) .
وتبلغ به وقاحته الحداثية إلى أن يصف الله تعالى بأن له حجرة قمرية ، وذلك في قوله :
( تتكون حين أحبك أودية وجبال ...
ويكون الله سعيداً في حجرته القمرية ) .
ويقول :
( الله يفتش في خارطة الجنة عن لبنان ) .
وفي سخرية بالله تعالى وتنقص واضح له - جَلَّ وَعَلاَ - واستهزاء بالإيمان به يقول :
( طلبوا أن نشطر الرب لنصفين
ولكنا اختجلنا
إننا نؤمن بالله
لماذا جعلوا الله هنا من غير معنى ) .
وانحدر مع عقائده الضالة إلى أسفل سافلين ، ووصف الله بأبشع الأوصاف ، وأضاف إليه مالايليق بجلاله سبحانه وتعالى ، وذلك في قوله :
( حين وزع الله النساء على الرجال
واعطاني إياك شعرت
إنه انحاز بصورة مكشوفة إلي
وخالف كل الكتب السماوية التي ألفها
فأعطاني النبيذ وأعطاهم الحنطة ...
حين عرفني الله عليك
وذهب إلى بيته
فكرت أن أكتب له رسالة على ورق أزرق
وأضعها في مغلف أزرق
وأغسلها بالدمع الأزرق
ابدؤها بعبارة : يا صديقي
كنت أريد أن أشكره
لأنه اختارك لي
فالله كما قالوا لي
لايستلم إلاّ رسائل الحب
ولايجاوب إلاّ عليها
حين استلمت مكافأتي
ورجعت أحملك على راحة يدي
كزهرة مانوليا
بست يد الله
وبست القمر والكواكب ) .
وهكذا بكل جرأة وخبث ودناءة يتحدث هذا الخصيم المبين لدين المسلمين عن الله رب العالمين ، ويصفه وكأنه أحد زملائه أو ندمائه “ سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم ” .
ويتطاول على مقام الله فيصفه - جَلَّ وَعَلاَ - بأنه تزوج حبيبته فيقول :
( لأنني أحبك
يحدث شيء غير عادي
في تقاليد السماء
يصبح الملائكة أحراراً في ممارسة الحب
ويتزوج الله حبيبته ) .
قال الله تعالى : { وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ } .
وعلى طريقته القبانية الداعرة يجعل الله تعالى شاهداً وحيداً على دعارته ، ولا شك أن الله مطلع على كل مايعمل الخلق إلاّ أنه جاء بهذا القول في سياق تنقصي وفي تدنيس واضح وخسة بالغة ، يقول :
( في هذه الغرفة الزجاجية
المتدحرجة على الغيم كفندق صغير
وأن يكون شاهد عرسنا الوحيد
هو الله ) .
ويقول :
( ... أتوسل إلى الله
أن يلغي الشتاء من مفكرته
لأنني لا أعرف
كيف سأقابل الشتاء بعدك ) .
وفي سياق ذكره لإباحيته ودعارته وامتهانه للمرأة وجعلها مجرد إناء للشهوة والجنس ، يذكر بعد ذلك أنه في معاشرته لخدينته اكتشف وجه الله وهو تدنيس مقصود واستنقاص مراد ، وتهكم واضح بالله - جَلَّ وَعَلاَ - ، يقول :
( كان عندي قبلك قبيلة من النساء
انتقي فيها ما أريد
وأعتق ما أريد ...
... وحين ضربني حبك على غير انتظار
شبت النيران في خيمتي
وسقطت جميع أظافري
وأطلقت سراح محظياتي
واكتشفت وجه الله ) .
ويقول :
( فلاتسافري مرة أخرى
لأن الله منذ رحلت دخل في نوبة بكاء عصبية
وأضرب عن الطعام ) .
وكان بإمكانه أن يضع مكان لفظ الجلالة أي اسم مثلاً : القلب أو الروح أو الصب إلى غير ذلك ، ولكنه تعمد وضع اسم الله العظيم إمعاناً في التنقص وإشاعة للإلحاد ، قاتلهم الله أنى يؤفكون .
ويقول :
( ولأنني أحيك
أحمل تصريحاً خاصاً من الله
بالتجول بين ملايين النجوم ) .
ويقول :
( ساعتنا واقفة
لا الله يأتينا ولا موزع البريد
من سنة العشرين
حتى سنة السبعين ) .
ويصف الله تعالى بالموت مشنوقاً ، مثله مثل سائر الحداثيين ، فيقول :
( من بعد موت الله مشنوقاً
على باب المدينة
لم تبق للصلوات قيمة
لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة ) .
ويقول :
( إن أقصى مايغضب الله
فكر دجنوه وكاتب عنين ) .
ألا إن غضب الله على الكفر وأهله ، والكفر المدجن بالإلحاد والكاتب المنغمس في رذائل العقائد والأخلاق .
قال الله تعالى : { وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ } .
ويقول نزار قباني :
( ولماذا نكتب الشعر وقد
نسي الله الكلام العربي ) .
ويقول : ( من أين يأتي الشعر يا قرطاجة والله مات وعادت الانصاب )
وكلامه في وصف الله بشتى النقائص كثير وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد أن يحكم على بصيرة على هذا الكاتب وأشباهه ، وعلى الحداثة وأتباعها .
- ومنهم محمود درويش ، القائل :
( نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير ) .
والقائل :
( وُلد الله
وكان الشرطي ) .
( ولد الله
وكانت شرطة الوالي
ومليون قتيل ) .
قال الله تعالى : { ق قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ (3) ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } .
ويضيف درويش “ الشرفة ” إلى الله تعالى إضافة تهكم فيقول :
( أم كنت أنت الذي يتدحرج من شرفة الله
قافلة من سبايا ؟ ) .
ويصف الله تعالى بأن له ذكريات ، وكأنه واحد من البشر المهازيل تعالى الله وتقدس ، قال :
( يومك خارج الأيام والموتى
وخارج ذكريات الله والفرح البديل ) .
ويتهكم بالله تعالى حين يصفه آتياً إلى الفقراء ، وأنه لايأتي بلا سبب ، وذلك في قوله :
( والله لايأتي إلى الفقراء ، إذ يأتي ، بلا سبب
وتأتي الأبجدية معولاً أو تسلية
عادوا إلى يافا ، وماعدنا
لأن الله يأتي بلا سبب ) .
وكل هذا في سياق سخرية وتنقص وازدراء ، تعالى الله العظيم ، ونحو ذلك قوله :
( يا أخضر لايقترب الله كثيراً من سؤالي ) .
وفي ديوانه أحد عشر كوكباً يجعل لله تعالى مئذنة :
( ... سترفع قشتالة
تاجها فوق مئذنة الله ، أسمع خشخشة للمفاتيح ) .
ويخاطب اليهود قائلاً :
( فلاتدفنوا الله في كتب وعدتكم بأرض على أرضنا ) .
ويقول :
( ... فخذ وقتكم
لكي تقتلوا الله ) .
وهذا الوصف مما أجمع عليه أهل الحداثة قاتلهم الله ، ومرادهم - كما سبق البيان - إبعاد الدين بالكلية وإسقاط القداسة وترسيخ الإلحاد .
ويقول :
( ... خذوا دمنا واتركوها
كما هي
أجمل ما كتب الله فوق المياه
له ولنا ) .
وعلى طريقة الحداثيين في تأليه الإنسان ، وأنسنة الله حسب تعبيرهم الكفري ، يقول درويش :
( صحراء للصوت صحراء للصمت صحراء للعبث الأبدي
للوح الشرائع صحراء ، للكتب المدرسية ، للأنبياء وللعلماء
لشكسبـير صحراء ، للباحثين عن الله في الكائن الآدمي ) .
وفي ديوانه ورد أقل قصيدة بعنوان “ إلهي لماذا تخليت عني ؟ ” على لسان امرأة يقول فيها :
( إلهي إلهي ، لماذا تخليت عني ، لماذا تزوجت مريم ؟
لماذا وعدت الجنود بكرمي الوحيد لماذا ؟ أنا الأرملة ...
... أطلقتني ؟ أم ذهبت لتشفي سواي / عدوّي من المقصلة
أمن حق من هي مثلي أن تطلب الله زوجاً وأن تسأله
إلهي إلهي ... لماذا تخليت عني
لماذا تزوجتني يا إلهي ، لماذا ... لماذا تزوجت مريم ؟ ) .
- ومنهم الشيوعي الفلسطيني الحداثي الهالك معين بسيسو الذي وصل به كفره وإلحاده إلى أن يصف الله تعالى بأنه غزال أخضر يعدو ويصاد ويباع سبحانه وتعالى ، قال بسيسو ملأ الله جوفه ناراً :
( لم يبق سوى الله
يعدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد
ويتبعه الكذب على فرس شهباء
ستطارده ، سنصيد لك الله
من باعوا الشاعر يا سيدتي
سيبيعون الله ) .
وأقواله الخبيثة من هذا القبيل كثيرة ، مليئة بوصف الله بأوصاف لاتليق به تعالى ، ومنها قوله:
( تيمور على أبواب سمرقند ، وتيمور هو الله
ملائكة الله ، شياطين الله ) .
وقوله :
( أخفتني عاهرة
ووشى بي قديس
كان الله معي
لكن الله هنالك يُدلي بشهادته
في مركز بوليس
- فتح المحضر : ما اسمك ، كم عمرك ، ما عنوانك
- مهنتك .. وكانت مهنته الله
أخذوا بصمات الله
والتقطوا صورته
كان الله معي
لكن الله ورائي كان هو المخبر
آلة تسجيل قد غرست في قلبي
آلة تسجيل قد غرست في قلب الله ) .
وقوله :
( ومظلتك على ظهرك
أقرب من أجدادك لله
أجدادك لم يرتفعوا أكثر من ناطحة سحاب ؟
كي يقتربوا يا دانيال من الله
لكنك في طائرة الفاتتوم
أقرب من أجدادك لله ؟ ! ) .
وقوله :
( ها أنت مثل الله
في يديه السلسلة ) .
هذا هو بعض نجس الكفر الحداثي على لسان رائد من رواد الحداثة أو كما أطلق عليه بعضهم : ( إنه ما رد من المشاعر والقوافي والأنغام وإعجاز العمل الفني ) .
إنه عندهم ملحمة ومارد من السنابل وغير ذلك من الأوصاف التي أترع بها الكتاب المؤلف عنه بعنوان “ معين بسيسو بين السنبلة والقنبلة ” وهو نموذج من نماذج إطراء واحتفاء الحداثيين ببعضهم ، وصورة وجيزة عن الدعاية الحداثية لصناعة نجوم الحداثة وتسويقها في بلاد المسلمين .
- ومنهم سميح القاسم صاحب قصيدة “ رسالة إلى الله ” التي سبق ذكرها وهي مليئة بأوصاف النقص التي يحاول إلصاقها بالباري - جَلَّ وَعَلاَ - ومنها المطلع ذو النفس النصراني :
( سيد الكون أبانا ) .
وفيها :
( يا أبانا ، يا أباً أيتامه ملوا الصلاة
يا أبانا نحن مازلنا نصلي من سنين
يا أبانا نحن ما زلنا بقايا لاجئين ) .
وفيها :
( يا أبانا نحن بعد اليوم لسنا بسطاء
لن نصلي لك كي تمطر قمحاً ) .
ونحوها قوله :
( لاتركعوا .. لاترفعوا أيديكم إلى السماء
تدمرت واندثرت أسطورة السماء ) .
ويقول :
( ومشيئة الرحمن والأقدار
بعض من نفايات القرون ) .
ويقول :
( ولأي كهف ينزوي الله المعفر بالغبار
وبالدخان وبالشرر ؟ ) .
سبحان الله الأعلى وتقدس المولى العظيم عن هذه الأوصاف التي يرسلها هذا القطيع الهائم أتباع الشيطان الرجيم ، وأعداء الحق والخير والفضيلة ، وأقوال سميح القاسم من هذا الصنف عديدة ، ومنها قوله :
( حين قيل : انقضى كل شي
كانت المئذنة
شارب الله تحت النعال الغريبة ) .
إن الإصرار الحداثي المتواصل على الاستخفاف بالله تعالى وتدنيس قدسيته ، يدل على مأربهم الأولي في هدم الإسلام بل كل دين وإيجاد الضياع الاعتقادي والشتات الفكري والجاهلية بكل أصنافها .
ومن أقواله :
( منفياً بلا كفن !
ونتخم من طعام الله
تتخم دودة الدمن ) .
( والموسيقى أسراب من كل طيور الله
الفالس .. رفوف سنونو ) .
وقوله :
( أتسمعنا نحاورهم :
أيبقى الله في منفاه ) .
وقوله :
( في وطن العجائب السبعين
والفقر موسيقى
وقتل الله في كمين
خبزٌ ) .
وفي ديوانه المسمى لا أستأذن أحداً يقول سميح :
( الدخان الذي كنت
يلتف شالاً على كتف الله ) .
ويقول :
( إن كف الإله التي نثرت قمحها للجياع
وأغدقت الورد
كف الإله الذي ذكرت
نسيت أننا بعض هذي الخلائق ) .
ويقول توفيق زياد :
( والى الأشجار أو العمدان
والى الريح “ وجه الله ” العريان ) .
تعالى الله وتقدس .
ومن كلمات النقص وأوصاف الاستهانة التي قالها رأس حداثيي اليمن والجزيرة العربية عبدالعزيز المقالح : قوله في مقطع بعنوان “ البرجوازي ” :
( ويناجي الله في صمت ويدعوه طليقاً
ثم لايلبث كالشيطان كفراً أن يفيقا
فيبيع الله والإنسان والحب العميقا ) .
وقوله :
( الله كان - حين كنت - موجوداً ) .
وقوله واصفاً الله تعالى وتقدس بالموت :
( يكاد النهار على أفقهم أن يموت
ويحتضر الله والعقل خلف معابدهم
في البيوت ) .
ويقول رأس حداثيي سوريا محمد الماغوط :
( وأغلقوا في وجهها كل أبواب العالم
لتظل وحيدة كالريح ... كالله ) .
وتنبعث خبائثه الاعتقادية في أبشع صورها حين يصف الله تعالى بالأمية ، وذلك في قوله :
( ... ولكن يا أيها التعساء في كل مكان
جُلّ ما أخشاه
أن يكون الله أمياً ) .
ولمحمد الفيتوري عبارات وأوصاف يلصقها بالله تعالى ، وهو منزه عنها - جَلَّ وَعَلاَ - ، كقوله :
( والحرية أشباح ضباب
وكأن الأبيض نصف إله
وكان الأسود نصف بشر
قور لفظته شفة الله ) .
ونحوه قوله :
( لا شيء لكي أكتب كلمه
فالكلمة في شفة الله
والله على الأرض سجين ) .
ومن أقواله :
( ومالت الأشجار في حديقة الله ) .
وبتأثير من نشأته الصوفية يصف الله بالاتحاد ، لكنه يضيف إلى ذلك نزعته الحداثية التي تصف الله تعالى بالموت - جَلَّ وَتَقَدَّسَ - ، يقول :
( أنا أعرف هذه العيون
التي تتعانق فيها الهزيمة والنصر
يتحد الله والموت
في مجدها الأبدي الحزين ) .
ويقول :
( عندما غسلتني المحبة
أبصرت في وجهها الله
حدقت في مقلتيه المفزعتين
من الشمس والحلم
حتى تساقط نصف القناع ) .
وفي إحدى مسرحياته يقول على لسان عرافة ، مقرراً عقيدة وحدة الوجود الصوفية الحداثية :
( كذب الكاذب
فالله بلا حاجب
الله هو النهر الصاخب
وهو الليل الغاضب
وهو الشمس المنظورة
والأفلاك اللامنظورة
والريح المنشورة ، والروح السارب
الله هو الإيماء والحركات
هو الرمز المنقوش على إحداق الطير
وأشجار الغابات
الله هو الكلمات ) .
ونحو ذلك قوله :
( يا غابة الرجال
أيها المقاتلون
الله في آفاق هذه العيون المشمسة
الله في أجنحة الحرائق المقدسة
في عزة الصدور ، والسواعد القوية
الله في كرامة الأرض ، وفي
عدالة الثأر ، وفي الحرية ) .
ويقول :
( ولكن صوتك الساطع
مثل الشمس في شعري
ومثل الله والإنسان
والشيطان في ذاتي ) .
قال الله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .
ويقول :
( لماذا يا معيتيقه
يجيء القادمون ، وينصبون خيامهم
في سهلنا ، ونهد خيمتنا ، ونرحل كلما جاؤوا
لأن العشب عشب الله
- ونوغل في المجاعات الجديدة
كلما ارتفعت مشاعلهم
لماذا يا معيتيقه ؟
- لأن الفعل فعل الله ) .
ويقول ممدوح عدوان :
( حين يضيع الخبز بين الله والناس ) .
ويقول :
( سقطت في المرآة
باغتني كالبرق وجه الله ) .
وله مقطع استرسل فيه ساخراً بالله تعالى ، وواصفاً له - جَلَّ وَعَلاَ - بالنقائص في كلام سخيف هابط ، وعبارات محشوة بالهذر والغثيان والكفر والضلال ، يقول :
( ويباغتني الله في نعمة
تنتقي صفوة القوم
كيف أصدق أن لدى الله نبع حنان
ولايتطلع يوماً إلى قهرنا ؟
ولايرى البشر الساكنين زرائب ؟ ...
... وكيف تغافل كي لايرى الآكلين النفايات
في مدن من مناسف
لايسند القلب في ضعفه
تحت عبء الهموم
إلهي الذي قيل لي إنه صاغني مثله
كنت أرغب لو صغته شبهي
كنت أسكنته وطناً
يتفنن كيف سيبكيه في كل يوم
يشكك في خلقه
ويطالبه أن يصفق للظلم
يجبره أن يحب العدو
وأن يتقلص خوفاً أمام الجنود
وأن يتجاهل كيف تضيق عليه الحدود
وكنت أطالبه أن يحب بلاداً تجاهره كرهها
ثم تمنعه لقمة لكرامته
وأطالبه أن يحب بلاداً تفاخره عريها
فتبارك هذا الإله
الذي كان يرفض أن يتمرغ في عيشنا
لم يكن يتقن اللعب فوق المزابل
لم يعرف السيرفي قسوة الوعر
لم يعرف النوم جوعاً
ولم يعطنا ما يواجه هذا البلاء
ها هو الله يأتي أخيراً على هيئة الطير
ينقر أرواحنا
كيف لم نره أمسى
حين قضينا طوى ليلة نتضور
كيف توارى عن الحلم
لم يأت في قلمة أو رغيف
وكيف مضى دون أن نتعلم
وأمسكتني ، قلت لي : الله يرزق
يجزي الثواب لعبد صبور
ولكنه الله أنسى بنيه العقاب
فلاتحسبيه علينا ولاتحسبينا عليه
ابحثي عن سماء بها الله
فالله لم يتحدر إلى الأرض
أو فابحثي عنه في وصفه
لم يكن غير رب غني
فروحي إلى الأغنياء تريه ...
فإلى أي رب سيلجأ أبناؤه الفقراء ؟
... أتلفت نحو بلادي ... وأجهش
ماهمني سمع الله هذا النشيج إذن ؟
أم تصامم ؟
إن كان لايتنازل أن يمسح الدمع
أو أن يهدئ في ليلة وجعي ...
... سألوا الله عن علة الأمر
لم يستمع ، ثم في ليلة
كان أفقرهم خائفاً من عيون الطيور
رأى الله في طلعة للهلال
فقال : إذن .. ذاك ربي يطاردني
سوف يفضحني
كيف يبقى إلهاً مضيئاً
وكل الذي في حياتي عتم
وضوء الطغاة وراء حصون مدججة
سوّرتها الديانات بالصلوات
وكانت قرابينها بشراً أبرياء ) .
ونقلت هذا الغثاء الزائف كله من أجل تأكيد قضية أن الحداثة ليست انفصالاً عن الإسلام والإيمان فحسب ، بل ومناقضة لذلك تمام المناقضة ، بل إنها في أوليات منطلقاتها تسعى لنقض الإسلام وتهدف إلى هدم الديانة ، ويقوم نسيجها الفكري على كل شيء سوى الإسلام ، وفي داخل أدغالها وسراديبها ومتاهاتها يجد الفاحص أصوات السقوط الاعتقادي ، ونظرات السلخ الفكري ، ونظريات الكفر والإلحاد ، أنفاس لاهثة ، ونفوس هائمة ، وقلوب مظلمة ، وأفكار جاهلية ، تقوم أساساً على إدانة الدين ، ورفض الحق والخير والهدى والرشاد ، وتبرير الجهل والانحطاط ، وتسويغ الردة والضلال .
فخاخ منصوبة نُسجت أحابيلها من قصائد ودراسات نقدية ومقالات وقصص وروايات ، يقع في شراكها حدثاء الإنسان سفهاء الأحلام زائغوا القلوب والعقول ، أتباع الشهوات ، أرباب الشهوات .
ادعو أنهم جاؤوا من أجل التقدم والنهضة والرقي ، فإذا هم ليسوا سوى طلائع عدو ، وإفرازات عداوة ، وإرهاصات حرب شاملة .
يحملون أسماء المسلمين من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، لكن عقائدهم غير عقائد المسلمين ، وأفكارهم تناقض جوهر الدين الحنيف دين الإسلام ، وطموحاتهم في إزالته من الوجود أو تهميشه ، من خلال المهاجمة الواضحة لدين الله والاستخفاف الجلي بالله العظيم - جَلَّ وَعَلاَ - وتقبيح الوحي المعصوم ، وتشويه الاستمساك بالوحي ، وتزييف حقائق الدين - والدين كله حقائق - ومقاومة قواعده وأصوله ، كل ذلك في تبجح ظاهر ، وجرأة وقحة ، وسفاهة معلنة { هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } .
- ومنهم أحمد دحبور الذي شارك في وقاحة الحداثيين ضد الله تعالى ، ومن أقواله :
( والخبر لماذا لايأتي من غامض علم الله كما يأتينا الجوع أو الأمراء ) .
وقوله :
( ودم على الجولان
وأسأل : أين وجه الله ؟ ) .
وقوله :
( شاهد :
راحته تدمي على المدفع
كان الله يأتيه على شكل فلسطين ) .
وقوله :
( الأرض بساط الله
بساط الله الآن يحاط بجيش الله الأمريكي .
فمن جهة بالنار
ومن جهة بصلاة العار
وخلفهما حكم عدل
يتساقط عدلاً
فاستغفر
واختر أحد الموتين ) .
- ومنهم محمد علي شمس الدين القائل :
( أخذت زينة نهديها
وتعرت لتصير أشد نقاء من قلب الله
قرأت :
وسلام هي حتى الفجر ، سلام هي حتى الفجر ) .
والقائل :
( ولما اتكأنا على شرفة الله
أبصرت مروان يهرب مني ) .
والقائل :
( ملك الضدين أنا
ورئيس أبالسة الرحمن ) .
وفي مجال الرواية يصف عبدالرحمن المنيف اللهَ تعالى بأنه صاحب الخيمة الزرقاء ويقصد السماء ، وذلك وصف باطل ، وإضافة فيها تنقص بالله تعالى .
ويصف الروائي المغربي المنحرف محمد شكري أحد الناس بأنه خبز الله - جَلَّ وَعَلاَ - وذلك في قوله : ( ... رجل رائع ، أجمل مافيه هو أنه لايلاحظ كثيراً ، إنه خبز الله كما يقال ... ) .
أمّا الطاهر بن جلون فيقول في روايته ليلة القدر : ( ... وكانت صيحاتهم تختلط بصيحات المؤذن الذي كان يستعمل ميكروفوناً لكي يسمعه الله على نحو أفضل ) .
فهو يسخر من صفة السمع لله تعالى كما يسخر من صفة البصر له - جَلَّ وَعَلاَ - في قوله : ( ... كنت تختبئين في الصندوق الخشبـي الملون لكي تفلتي من نظر الله ، منذ أن علموك بأن الله في كل مكان ، وأنه مطلع على كل شيء وأنت تقومين بكل حركة بهلوانية لتتملصي من حضوره ، كنت تخشينه أو كنت تتصنعين ذلك ، لم أعد أعرف ) .
أمّا علاء حامد فإن روايته مسافة في عقل رجل ليست مهتمة بغير الكفر بالله ولا مقصد لها إلاّ جحد وجوده - جَلَّ وَعَلاَ - ونفي ألوهيته - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - وأقواله في وصف الله تعالى وتسميته بأوصاف وأسماء النقص كثيرة جداً ، بل الرواية كلهامن هذا القبيل ، ومن أمثلة ذلك قوله : ( ... الحاكم يرى بعيونه ( جواسيسه ) والله يرى ويسمع هو الآخر ، وإحدى وسائله ملائكته ... ) .
وقوله - قاتله الله - : ( نحن الحقيقة وماعدانا هو الوهم ، نحن الحقيقة ، والحقيقة نحن ، وطالما أن الله حقيقة ، فلسنا سوى الله ، الأمطار دموعه ، والريح زفرته ، والغضب براكينه ، والعلم عقله ، والإنسان وسيلته ، والسلطان رغبته ، والكون سلوته ، وإذا كان الله والإنسان واحد [ هكذا ] لايتجزأ فلماذا يعجز الإنسان عن المعرفة الكلية ؟ ! ) .
ويجعل الله تعالى هو القانون الكلي الذي يحكم الكون ، والقانون الكوني المادي الكلي هو الله ، وكرر ذلك في مواضع عديدة في سوفسطائية عشوائية متناقضة وفلسفة متهافتة بليدة .
بل جعل الله تعالى وتقدس خاضعاً لهذا القانون الكوني الكلي حسب خرافاته وأكاذيبه .
ومرة يصفه - عزوجل وتقدس - بأنه خلية أبدية لاتفنى ، وأن المخلوقات متولدة من هذه الخلية حسب خرافاته ، فيقول : ( لو شبهنا الله بخلية أبدية لاتفنى وأن مخلوقاته ليست سوى انقسام لهذه الخلية الأبدية ولكن بعد إضافة موادي أخرى كيمائية ( مواد بشرية ) اكتسبت بها خواص
جديدة ظاهرية بالإضافة إلى خواص الخلية الأبدية ، إذا قلنا بذك فنحن لم نبتعد عن جادة الصواب ، ولكننا في نفس الوقت لم نقترب كثيراً من الحقيقة ) .
وقوله : ( إذا أردت رؤية الله مجسماً فتأمل الشمس والنجوم والحيوان والإنسان والنبات ، أمّا القول بأن الله يجلس على عرش ، وأن له مكاناً محدداً يجلس فيه يُمكن التحدث معه بلسان طلق ، فهذه أوهام صُنعت بمهارة وصدقتها عقول تعيش في دروب الجهالة المفرطة .
وهذا القول كله أباطيل زائفة بدءاً بوحدة الوجود الإلحادية التي تبلورت عن الغربيين المعاصرين في صورة من صور الإلحاد الكامل ، وقد سبق تفصيل ذلك في الفصل الأول .
أمّا تصويره لعقيدة المسلمين في الله بأن له - جَلَّ وَعَلاَ - مكاناً محدوداً فهو من الكذب والزيف ، فإن أهل الحق يعتقدون أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ، وأنه لايحيط به شيء من مخلوقاته ، وأنه عالٍ على خلقه ، لاتحده الأمكنة ولا الأزمنة فهو أكبر وأعظم وأجل وأعلى ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وهو يتكلم إذا شاء مع من شاء كيف شاء ، لايسأل عما يفعل وهم يسألون .
أمّا هذا المعتوه فإنه يخبط في أودية الباطل خبط عشواء ويخلط شكوكه وأوهامه بما يظن أنه العلم والبرهان ، وهو في الحقيقة ليس سوى الهذيان ، وروايته الإلحادية هذه تفيض بدلائل هذا التخبط والتيه ، سلط الله عليه يداً من الحق حاصدة .
ويشبهه في طرحه وخبطه وتناقضه الشمطاء المفاخرة بالدعارة والإلحاد “ نوال سعداوي ” ذات الصيت السيء والسمعة الملوثة ، والمحمية من أشباهها من أهل الزيغ والضلال ، الذي سخروا جهودهم لحماية المرتدين والملاحدة ، وقتل المؤمنين الموحدين ، وسجنهم وتشريدهم ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ، ومن كتبها رواية بعنوان “ سقوط الإمام ” مليئة بالنفايات الاعتقادية والسقوط الفكري .
وملخصها : أنها جعلت من أسمته إماماً ، جعلته الله تعالى وتقدس ، وأسقطت من خلال هذه الشخصية كل تنقص وازدراء بالله تعالى ، ووصفته بأوصاف البشر بل بأحط الأوصاف التي يُمكن أن يقارفها بشر من الظلم والاغتصاب والدعارة وغير ذلك تعالى الله عما تقول علواً كبيراً .
ومن نصوصها في هذه الرواية قولها في أول أسطر رواياتها : ( وأنا طفلة كنت أرى وجه الله في أحلامي كوجه أمي شديد العدل وكوجه أبي شديد الرحمة ، لكن زميلتي فاطمة أحمد في المدرسة كانت ترى وجه الله في أحلامها كوجه أبيها شديد القسوة وكوجه عمها شديد الظلم ) .
( في طفولتي وأنا نائمة كان الله يزورني وله صوت حنون كصوت أمي ) .
وقد كررت مرات كثيرة وصف إحدى شخصيات الرواية بأنها “ بنت الله ” - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - ومن ذلك قولها في المقدمة : ( وكان شخصيات البنات والنساء أكثر استقراراً لكن اسم بنت الله أثار في القلق ليالي طويلة ، وحاولت أن أغير اسمها فهو اسم ينتهك المحرمات في حد ذاته ، فكيف تجرؤ فتاة أن تحمل اسماً محرماً إلى جانب حملها جنيناً غير شرعي ، وقد يباح في المسيحية أن نسمع اسم ابن الله وهو المسيح لكن أن نسمع اسم بنت الله فهذا غير وارد تماماً ، لكن بنت الله سألتني في الرواية ماذا لو كنت مريم العذراء وولدت بنتاً وليس ذكراً الا تكون ابنتي هي بنت الله ويسمونها المسيحة ، وتصبح واحدة من الأنبياء ) .
أي أنها بكل إصرار اتخذت هذا الاسم وهي عالمة بأنه محرم ، واجترأت على إضافة بنت الزنى إليه وهي مدركة أن ذلك لايجوز ، ولكن ذلك من مقتضيات الحداثة المؤسسة على انتهاك المحرم واختراق المألوف ومجاوزة السائد حسب تعبيراتهم ، ولذلك خرقوا له بنين وبنات ، وزوجات وأوصاف ناقصة جلّ الله وتنزه عما يقولون ويصفون .
قال تعالى : { وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
وقال تعالى : { ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ ولَهُم مَّا يَشْتَهُونَ } .
ومن أقوال هذه الشمطاء الرجيمة : ( ... انتزعت من صدرها الشيء المخبوء ، ساوت الأرض بكفها الكبيرة الحانية مثل كف الله ) .
وقولها : ( أطفال كثيرون بلا أم ولا أب ولا جدة يسمونهم أطفال الله وأنا اسمي بنت الله ، لم أكن رأيت الله وجهاً لوجه ، تصورت أن الله هو أبي ، وأمي هي زوجة الله ، وفي النوم أرى أمي واقفة تنتظر الله ) .
ويبلغ بها الكفر والضلال أن قالت - أهلكها الله ومن والاها - : ( في الليل تحوطني أختي بذراعيها ، تنشج بصوت مكتوم وتحكي قصة أمها ، زارها الله في الحلم ، وحملت منه مثل مريم العذراء ، ارتدت ثوباً واسعاً لتخفي ارتفاع البطن ، ولدتها في الليل بعد أن نام الناس ، لكن عيون الإمام رأتها ، ربطوها بالحبال ورجموها حجراً حجراً ، قلت لها وأنا أعانقها : إذا كان الله هو السبب فلماذا يقتلونها ؟ ... وفي الحلم يتراءى لي الله على شكل رجل ، واقف في الظلمة ويده اليمنى خلف ظهره رأسه يلمع تحت الضوء بغير شعر ، ووجهه يغطيه الشعر ، يرتعد جسمي تحت الغطاء وعيناي مغلقتان ، يحرك يده اليمنى خلف ظهره ، يرفعها أمامي ويفتح أصابعه ، ليس في يده العصا ، يهمس بصوت ناعم : بنت الله ، تعالي يقترب مني حتى يلامسني بيده ، أتحسس كفه الكبير الحاني ، بشرته ناعة كصدر الأم ، أضع رأسي على صدره وأغمض عيني ، يده تربت على وجهي ، ثم تهبط لتربت على صدري وبطني ، رجفة غامضة تهزني وقشعريرة يهمس بصوت ناعم : لاتخافي أنا الله وسوف تلدين المسيح ، أصحو من النوم والدنيا ظلام ، جسمي مبلل بالعرق وله رائحة الله ) .
وهكذا تبدو لنا الرواية الحداثية العربية في لون ألوان كفرها وإلحادها ، وتتمادى السعداوي في غيها فتشبه العورة بالله تعالى ، ولو تتبعت كل أوصاف النقص والتهكم والسخرية والازدراء وكل أوصاف الذم والشتم الذي الحقته هذه الخبيثة بالله تعالى لطال المقام واتسع ، وفي الجملة هذه الرواية الساقطة مثل رواية مسافة في عقل رجل تتوجه أساساً إلى النيل من الله - جَلَّ وَعَلاَ - ، ومحاولة إسقاط القداسة عنه ، وإبعاد التوقير له من نفوس الناشئة الذين يطرح بين أيديهم هذا الغثاء الفكري ، وإخلاء القلوب والعقول من تعظيم الله واحترامه ، تمهيداً لإحلال الكفر في الأنظمة والسلوك وسائر مناحي الحياة .
ومن الروايات المليئة بأوصاف النقص الملحقة بالله تعالى رواية “ ألف وعام من الحنين ” لسيء الذكر رشيد بو جدرة الذي يعلن كفره وإلحاده ويفاخر بذلك وبأنه أول من تجرأ على ذكر اللواط والإشادة به في كتابه “ التطليق ” .
يقول هذا الضال الجاهلي النتن عن الله مالم يقله سواه من الحداثيين والكافرين ، ويصفه بما تقشعر له الأبدان : ( ... بلدة تعودوا أن يقولوا عنها بأن الله تبرزها في يوم من أيام الغضب ) .
( .. هؤلاء الناس الذين قر رأيهم على أن بلدتهم إنّما هي قذارة أسقطها الله ذات يوم من أيام الضجر ) .
ويقول : ( ... وكانت تقول لمن يريد الإصغاء إليها سواء في الحمامات أو في حفلات الزواج أو في انجازات أن الله نفسه قد بدأ يمارس الغش ؛ لأنه لم يتمكن من حصر مخلوقاته داخل المسجد ولا أدل على ذلك من تدهور الزمن ... كانت إذن على علاقة سيئة مع السماء ، تنتظر منها أن تضع يدها ثانية على وقائع الأمور وخاصة على ابنها المجنون قبل أن تذهب لزيارة الأولياء الذين أهملتهم تعبراً منها عن غضبها وعن خيبتها لرؤية الله وهو ينجرف في سيول فيضاناته ... ) .
ويقول : ( ... ينبغي أن تكون راضياً في تقليدالله ، فهو كذلك وحيد ، لكنه على مايرام ، وأنت تعلم أنه لا شقيق له وإلاّ فيا لخرابنا ) .
ويقول : ( ... وأسلمت نفسها لله في ذلك اليوم ، بعد أن خاصمته مدة طويلة ، وحكت عانتها ... ) .
غفرانك اللهم تباركت وتعاليت عما يقول الكافرون علواً كبيراً .
إن هذه الشواهد كلها - وهي قليل من كثير - لتدل على أن الحداثة تقوم في حقيقة الأمر وفي رأي أصحابها - : بتدمير القداسة والانقطاع عن الماضي ، عن الإسلام على وجه الخصوص ، والثورة على الدين ، والهدم لكل معاني وأصول الاعتقاد ، والرفض لكل إيمان بالله تعالى ، والمجانبة لكل مايمت إلى التوحيد واليقين بصلة ، والتحول الكامل عن الوحي ومقتضياته ولوازمه ، والتمرد السافر على العقيدة والشريعة والأخلاق الإسلامية .
إنها ارتكاس في الضلال ، وانحدار إلى الجاهلية ، واتباع للباطل ، وهبوط إلى أسفل سافلين .
{ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً }