ابحث فى المقالات






نفسية التسويغ

إن من أكبر الثغرات التي يلج منها الضعف إلى الإنسان بصفته الفردية ، أو الجماعية، "التسويغ" بالباطل ، أو ما يسمى في اللغة المحدثة "التبرير".

وهذه الثغرة الخفية في النفس الإنسانية عامة تصنف في علم النفس ضمن " الحيل الدفاعية " التي يستخدمها الإنسان في عملية وقاية ذاته من المؤاخذة ، أو الظهور بمظهر العاجز ، أو لتحصيل شعور بالأمن والسعادة ، وذلك بالتخلص من القلق وآثاره ، أو الخفض من حدته .

ومن شأن " الحيل الدفاعية " أنها تتفاقم مع طول المدى ، مالم ينتبه صاحبها إلى خطرها ، ويقوم بمراجعة قائمة عاداته ، مراجعة ناقدة ، وذلك لأن هذه الحيل الدفاعية تبدأ صغيرة ، ثم لا تلبث أن تتوسع حتى تصبح عادة ، وتتحول بدورها إلى عوائق تمنع التصحيح والتطوير ، وتترسخ في النفسية الخاصة والعامة بشكل يعسر معه العلاج والتعديل ، وذلك لقدرتها على بث شعور مريح ومطمئن ولو عن طريق الخداع للنفس .



    ومن أوسع ألاعيب الشيطان بالنفس البشرية ، المكر والخديعة والاستخفاء والتدرج ، وولوجه إلى النفس من خلال ما تأنس به أو تعتاده ، ومن أخبث أنواع تضليله تغلغله إلى نفوس تعتقد أنها في منعة منه ، وحصانة من إفساده ، بعد أن كونت حول ذاتها دائرة من الاطمئنان لوضعها، ويزداد الأمر خطورة إذا تظافرت النفس الأمارة بالسوء مع الشيطان ، وما أكثر ما تتظافر ، ثم إذا تأيد هذا التعاون بين النفس والشيطان بالإلف والعادة ، فحينئذ يكون الخطب أشد ، والشفاء أشق .

       إن التسويغ بالباطل – وهو أحد أبرز مظاهر الحيل النفسية الدفاعية – يتضمن  :

تزييف الحقيقة ، أو إنكارها بطريقة شعورية أحياناً، ولاشعورية في أكثر الأحيان ،خاصة من الذين أدمنوا على عملية التسويغ هذه بحيث يصبح التسويغ عملية شبه آلية ،وطريقة نفسية متبعة عند أدنى مماسة أو مساءلة أو فحص .

    إن التسويغ يقوم على استخدام المنطق والعقل ولكن بصورة سيئة ، ، فهو استغلال قبيح للعقل وإساءة في استخدام المنطق من أجل تسويغ موقف ، أو قرار تم اتخاذه ، لا من أجل التوصل بالعقل والمنطق إلى الموقف الصحيح والقرار السليم ، ومن الملاحظ أن بعض ذوي التسويغ ميالون إلى مساءلة غيرهم ومناقشتهم وفحصهم بدقة ،ومحاصرتهم بالأدلة المضادة ، وإبراز التناقضات .

 علما بأن صاحب النفسية التسويغية لايطيق التفحص ، الدقيق ويبغض المناقشة والمساءلة المتعلق به ، أو بمواقفه ، ويتضايق من البراهين المضادة له ، ويتبرم من ظهور تناقضاته.

وهذه الحالة أيضاً نوع من الحيل النفسية الدفاعية ، تقوم على قمع الآخرين وتكبيتهم ؛ ليتقي صاحبها بصورة لاشعورية نعته بالتسويغ وعدم الموضوعية ، وليتجنب إدراكه لهذه القضية بإسقاطها على غيره ونسبتها إلى سواه ؛ حيث تيسر له هذه الحيلة الدفاعية أن يرى أخطاءه التسويغية منسوبة إلى غيره ، أو أن يشعر نفسه – في أدنى الأحوال – أن هذه النفسية التسويغية ليست مختصة به بل هي موجودة في غيره أيضاً .

والمتفحص في أخلاق الناس وسلوكياتهم يرى مثل هذه الظواهر، فالشحيح ينعت غيره بالشح ، والقاسي يتهم غيره بالقسوة ، والجدلي اللدد يصف أقرانه بالجدل العقيم واللدد ، والأحمق النـزق أكثر الناس اتهاماً لغيره بالحمق والنـزق ، وعلى هذا المنوال تجد المتبرم من الأعمال، والمتشكي من الأشغال ، والجبان ، والساذج ، والمغرور ، وغير المنطقي والمزاجي ….وغيرهم .

   ومن أمثلة ذلك – مما شاهدت – أن أحد الأشخاص عسر في تعامله ،متعنت مع الآخرين ، يقف عند كل شيء ويستقصي كل أمر ، ويبدي رأيه  في كل قضية مهما صغرت ، ويماكس في الشراء والمعاملة مماكسة شديدة ، ويتشدد في مطالبه ورغباته ، ويتقحم على الآخرين تقحماً ، ويتهجم على مخالفه تهجماً ، ويجتريء على أصدقائه وجلسائه اجتراء المتصرف المطلق ، وله في باب التسويغ لكل هذه الأفعال باع طويل جداً . وهو مع كل هذه الصفات لايطيق محاسبة ولايصبر على مناقشة ، بل يتهم غيره -ولو كان حيياً لطيفاً- بالشدة والقسوة والتقحم والاجتراء وعدم المسامحة !!

إن التسويغ بالحق والتعليل بالحقيقة ليس عيباً ، كما أن التسويغ في صورته الأولية ، في حصوله من الإنسان أحياناً ، يعتبر من وسائل التكيف غير الشاذة ، ومن آليات الدفاع الأولية ، ولكنه إذا ترسخ في الإنسان وأخذ شكل الظاهرة ، وأضحى عادة يسهل عليه اللجوء إليها والإسرع إلى نجدتها ، حينئذ يصبح التسويغ انحرافاً وانتكاسة نفسية وعقلية .

وعلى هذا فإنه يمكن تقسيم التسويغ من حيث الصحة والفساد والفائدة والضرر إلى قسمين :

          الأول : التسويغ الصحيح  ، وهو القائم على الحق والصدق ، في الأمر المسوغ به وباعثه وغايته.

          فلابد أن يكون الأمر الذي حصل به التسويغ حقيقياً ، فإن كان كذباً ،أو كان معتمداً على نصف الحقيقة ،فهو تسويغ بالباطل.

وكذلك إن كان باعثه التدليس على الآخرين، أو إخفاء الحقيقة في أمر آخر ،أو استجلاب المدح ،وتحصيل الفخر ،أو غير ذلك من البواعث النفسية الردية ، وكذلك إن كانت غاية التسويغ باطلة ، كأن يكون مراده تزيين قبيح من الأفعال ، أو تشويه جميل من الخصال ، أو كان الموضوع الذي جرى من أجله التسويغ فيه خلل أو فساد ، ونحو ذلك.

     على  أن أصحاب الدراسات النفسية يدخلون ضمن القسم الصحيح من التسويغ ذلك الذي يحدث أحياناً بصورة خفية لا يدركها الفرد إدراكاً مباشراً ،أي أنها لم تصبح عملية مقصودة مخططاً لها ، ولم تتخذ صيغة الشمول في سلوك الفرد ، أو المجتمع.

          القسم الثاني : التسويغ الباطل ، وهو القائم على الكذب والمغالطة ، أو غمط الحقيقة ، أو بعضها ، أو استخدام الحق لتغطية الباطل .

وهذا هو التسويغ الذي متى حل في نفس  إنسان ، أو مجتمع قاد إلى الضعف والتردي والتراخي والنكوص .

إن المضمون الحقيقي لهذا التسويغ أن المستعمل له يلوث الحقيقة ويلغيها ويجبن عن مواجهة الواقع بصدق ، ويتخلى عن الموضوعية والإنصاف ، كما أنه يسخر من عقول الآخرين، ويستخف بقدراتهم الذهنية والنفسية ، ويساهم في توسيع دائرة الزيف والخداع .

إن الإنسان الملتجيء إلى هذا النوع من التسويغ يؤكد للآخرين – والذين اكتشفوه خاصة – بأن لديه أعمالاً ومواقف ودوافع غيرمقبولة خلقياً ، أو اجتماعياً ، أو شرعياً ، أو ثقافيا،ً ومن ثم يهرب إلى ابتكار المسوغات واختلاق ما يبدو أنه سبب منطقي ومعقول ، ليحله محل السبب الحقيقي .

إن صاحب النفسية التسويغية يخادع نفسه أولاً، ويمارس رياء الذات ؛وذلك أن التسويغ عبارة عن رجوع إلى الذات فيما يشبه النجوى ، حين يباغت الإنسان بما لاقدرة له على الوقوف أمامه بصدق وشجاعة ، فيستعمل التسويغ الباطل للتخفيف من وطأة هذه الحالة ، فيزول عنه حصار القلق والإحراج ، ويرتفع كابوس الضيق عن نفسه ، ويشعر بصورة خفية أنه انتصر في هذا الموقف ، فيقوده ذلك إلى تكرار المحاولة مرة بعد أخرى ،حتى يصبح هو نفسه يأنس بهذه التسويغات ،فيلجأ إليها كلما أحس أن ذاته تتعرض للاهتزاز، وهكذا يرتفع شأن التسويغ، ويصبح عملية سهلة تبادر أجهزة الدفاع الداخلية إلى استعماله للقيام بعملية الإنقاذ ، وذلك عن طريق المغالطة ولوي الحقائق وتحويلها إلى صورة شائقة ذات نكهة ومذاق حلو يغذي بها احترامه لذاته ، ويقوي بها أركانه المهتزة ،ويرقع بها صورته في أعين الآخرين.

ولأجل هذا كله كانت نفسية التسويغ بالباطل من أخطر الممارسات، وأشنع الخصال في الفرد أو في المجتمع أو في الأمة .

والناظر في أحوال الناس يجد الكثير من الشمائل التسويغية ،ومن ذلك قول العامة وأشباههم ( يأيها الناس اتبعوا الناس )  و ( كن عوداً في وسط حزمة )  يقولون ذلك – مثلاً – حين يمارسون الإسراف في المهور ، أو المراكب ، أو الأثاث ، أو السفر للسياحة في بلاد الكفر ، أو مواطن الفسق ، أو حين يقتنون ما يفسد دينهم وأخلاقهم وسجايا أطفالهم ،ونحو ذلك .

والرجل المغرم باقتناء السيارات الجديدة يعتذر بأن سيارته القديمة كانت ستكلفه الكثير من الأموال في إصلاحها.

والمرأة المنشغلة باقتناء الملابس والمصوغات والأثاث والكماليات تحتج بأنها لاتفعل ذلك إلا من منطلق حاجتها إليها !!

والمدخن حين ينصح بترك التدخين يتذرع بكثرة الأعمال ، وانشغال البال أو تكاثر الهموم .

والمسرف في تدليل أبنائه ولو بما يفسدهم ،يسهب في امتداح الحرية ،ويجود على منتقديه بدروس طويلة في التربية الحديثة .

والمتلف للمرافق العامة ،والآكل أموال الدولة بالاختلاسات أو الرشى ، والمفّرط في أعماله الوظيفية ،كلهم يتذرعون بأن البلد كله هكذا ، والناس جميعاً يفعلون ذلك .

والأمثلة في هذا الصدد كثيرة لاتحصى،وكلها تشير إلى أن التسويغ الباطل يمتد أثره وتتوسع آثاره،حتى يصبح مزاجاً عاماً للمجتمع .

فإذا أخذ التسويغ شكلاً عاماً ، وأصبح صيغة اجتماعية شائعة وسمة في المجتمع واضحة ، فهذا دليل على مرض عضال ، وداء وبيل ، بل هو دليل على العجز العام ، والتقاعس الحضاري والانتكاسة والتراجع .

ومن هنا يجب على الدعاة والمصلحين والمربين أن يسعوا في رفع وطأة التسويغ الباطل ، بإعلاء موازين الحق والصدق واحترام الذات والشجاعة الأدبية .

بيد أنه يجب عليهم قبل ذلك أن يبرأوا هم من هذه الخلة المردية ؛ ليكونوا بفعالهم وجميل خصالهم قدوات يتأسى بهم سائر الناس .

غير أن الناظر في أحوال بعض الدعاة يجد أنهم أشبهوا عامة الناس في هذه القضية ، بل بعضهم تمادى حتى أصبح التسويغ من يومياته المعتادة ؛ والأمثلة على ذلك كثيرة أذكرهنا بعضاً منها :

‌**‌‌‌‌‌التسويغ بالاجتهاد ، وذلك حين يقع الداعية في أخطاء علمية ، أو عملية ، أو حين يدافع عن أخطاء من يحب ويشايع ، تجده يعتذر بأن ذلك وقع عن اجتهاد ، وأن صاحب الاجتهاد مأجور وإن أخطأ ، ولاشك أن هذه الحجة شرعية ، ولكنها لا تنهض دليلاً مسوغاً للخطأ المتعمد، بحيث يستظل أصحاب الأخطاء المنهجية ، أو العملية ،تحت هذه المظلة الشرعية دائماً ليسلموا من الانتقاد والنصح ،ومن أمثلة ذلك :

-    أن داعية وفد إلى بلد دعاته على وفاق، فشق صفهم وفرق كلمتهم ،فلما بين له شناعة فعله واستبان له ،اعتذر بأنه كان مجتهداً في صنيعه وأنه يرجو الأجر بذلك !!

-    وآخر يفري بلسانه لحوم إخوانه تحت حجة الدفاع عن العقيدة ، فلما قام البرهان على أن من يغتابهم أعلم منه بالعقيدة الصحيحة وأكثر عملاً بمقتضياتها أجاب بأنه مجتهد فيما ذهب إليه ولاجناح عليه !!

فإذا طوقته بالحجج وألزمته أجاب بحجة تسويغية زائفة : عقيدتهم صحيحة ولكن المنهج فاسد !!

**ومن هذا الباب ما يقوم به بعض الدعاة من محاباة لشيعته وفئته وإقصاء لسواهم، تحت مسوغات المصلحة الدعوية ، والمساعدة الأخوية والمؤازرة الاعتقادية ، ولوازم الولاء والبراء ،ونحو ذلك من العبارات التي يصدق فيها أنها " كلمات حق أريد بها باطل "

وقد يفوه بعضهم بهذه المسوغات حين يفيض بمدائحه على أصحابه وأعوانه ، ويقلص ظله عمن سواهم ، بل ربما يمتد لسانه في ثلبهم والتنقص منهم .

وإذا أراد الله إشقاء القرى           جعل الهداة بها دعاة شقاق

**وقد تسمع هذه المسوغات حين يوصف بعض المتعالمين بالعلم الواسع والإدراك العميق والفهم الشامل ونحو ذلك من عبارات الإطراء المجاني وكلمات الثناء التسويقي .

**ومن التسويغ الباطل اعتذار بعض الدعاة عن نقصهم في العلم الشرعي ، أو الثقافة العامة ، أو قلة اكتراثهم بنوافل العبادة والذكر بكثرة الأعمال الدعوية والانشغال بأمور الدعوة إلى الله .

** ومثل هذه المسوغات يقولها المهمل في رعاية أهله وأبنائه ، أو المقصر في حقوق أرحامه وجيرانه .

**ومن ذلك أنك تجد بعض من يتولى أموال البر والصدقة وتبرعات أهل الخير، ينفق على نفسه منها بترف فلا يركب-مثلا- إلا في الدرجة الأولى، ولايسكن إلا في أفخم الفنادق ، وربما توسع في المأكل والنقل والاتصالات على حساب هذه الأموال ، وربما حابى أصدقاءه وأقرباءه في الوظائف والتنقلات والانتدابات المتعلقة بأعمال البر التي تحت يده ، فإذا نوقش في ذلك اعتذر بأن ذلك كله في خدمة البر والصدقة !!

قال أبو العتاهية :

عبد المطامع في لباس مذلة         إن الذليل لمـن تعبّده الطمع

والمرء أسلم ما يكون بدينه        عند التحفظ والسكينة والورع

ومن عجب أن تجد من هؤلاء من يردد على الناس قصص ورع عمر بن عبد العزيز حين أطفأ الشمعة لما سأله رسول قائده على الثغور عن حاله وحال أبنائه ، وقصته حين انتزع تفاحة من تفاح الفيء من فم ابنه الصغير حتى أوجعه وأبكاه ،ونحو ذلك من قصص الورع .

**ومن أنواع التسويغ الجاري على ألسنة الكسالى من الدعاة ما يدعيه المتقاعس من كثرة الأعمال وغزارة الأشغال ، وهو في الحقيقة قعيد داره وجليس امرأته ،ولصيق فراش نومه، وحبيس رغباته الدنيوية .

 **ومن ذلك استظهار الجبان لقوانين الحيطة والحذر، وقصصها ومعاييرها ،واستعمال العاجز المتراخي أداة ( عليّ بذل الجهد وليس عليً إدراك النجاح) وهو في الحقيقة لم يبذل من الجهد  ما يكفي ، بل لم يأت من الحزم بما يشفي ، ومن ذلك تسويغ العدوان على الآخرين وعقائدهم بقوله تعالى { ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وتسويغ نشر القالة وإفشاء الأسرار بالنصح والتحذير  من مغبةٍ ، أو بالثقة في فلان وعلان .

     **ومن ذلك تسويغ التعالي بلزوم الوقار والهيبة والخشوع، وتسويغ القسوة والفظاظة بقوة الشخصية والبعد عن الهوان والترفع عن الرذائل .

 **ومن الظواهر الشائعة أن بعضهم إذا ولي أمراً إدارياً اتخذ وكيلاً ضعيفاً ، أو أعواناً رخوين ، تحت حجة البحث عن الجدارة والانسجام ،وهوفي الحقيقة لايريد الا الضعيف الذي يذعن له ،ويسير وفق رغباته.

**أما باب الغيبة وافتراس لحوم الدعاة والصلحاء فضلاً عن عامة الناس فهو باب عريض اتسعت مصاريعه ، وكثر صرعاه وفي تسويغه ألوان من الحيل ، وأصناف من الذرائع خاصة عند طلاب العلم والدعاة ، ولاحول ولا قوة إلا بالله ، ومن أحسن الأمثلة على ذلك ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى  في مجموع الفتاوى 28/236 –238 حيث قال :(فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون ، أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة… ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى،تارة في قالب ديانة وصلاح ،فيقول :ليس لي عادة أن أذكر أحدا الا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله ،ويقول:والله انه مسكين أو رجل جيد،ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول:دعونا منه،الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه وهضما لجنابه، ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة …ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه،فيقول:لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان،لما بلغني عنه كيت وكيت، ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده، أو يقول:فلان بليد الذهن قليل الفهم، وقصده مدح نفسه، واثبات معرفته،وأنه أفضل منه…ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب، ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به، ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت؟… ومنهم من يخرج الاغتمام، فيقول مسكين فلان، غمني ماجرى له وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به، ولوقدر لزاد على مابه، وربما يذكره عند أعدائه ليتشفوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه، ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر،فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر).

هذه أمثلة على الصعيد الفردي ، أما على المستوى العام فما أكثر ما يسوغ التخلف بالتآمر الخارجي ، وبالتحديات الكثيرة المعوقة بل تجد من يسوغ لمن لم يحكم بما أنزل الله بأن عليه ضغوطاً خارجية وداخلية يخشى منها على نفسه وبلده ، في الوقت ذاته تجد – هذا القانوني – إضافة إلى تحاكمه إلى الطاغوت – يعاقب من يدعوه إلى شريعة  الإسلام ويحاربه ويؤذيه ويسلط عليه الألسنة الحادة والأعين المصطادة ، والجنود المقتادة .

وهناك التسويغ بالأخطاء التاريخية ، فيقول المدافع عن وضع سيء أو موقف خاطيء، لقد حدث في عهد بني أمية أكثر من هذا ، وحصل في العصر العباسي أشنع من هذا ، وفي زمان شيخ الإسلام كان الوضع كذا وكذا ، فهو يستنجد بالخطأ السالف لتسويغ الخطأ الراهن.

      ومن هذا القبيل الاحتجاج بزلات بعض السلف ، وما حدث بينهم من الحروب والفتن ، أو بما جرى على ألسنة بعضهم من قدح وجرح في أمثالهم ، أو ما حدث في أفعالهم من زلل أو غلط ، وهذا باب واسع ولج منه ذوي التسويغ بزخرف من القول، يخلبون به عقول الذين لا يعلمون أنه لا حجة في زلات السلف، وأن حقها أن تطوى ولا تروى ، فضلاً عن أنه لا حجة فيها لمتذرع .

أما الاحتجاج على العيوب العامة بالاجتهاد فمن أكثر الرزايا التي ابتلي بها المسوغون ، ومن الأمثلة المعاصرة لذلك أن قادة الجهاد الأفغاني لما اجتمعوا في سنة 1406هـ وتعاهدوا عند البيت العظيم بالعهود والمواثيق العظيمة على أن يتحدوا ويزيلوا أسباب الخلاف بينهم، ويدمجوا تنظيماتهم في تنظيم واحد اتفقوا عليه ، ثم ما إن عاد بعضهم حتى كان أول الناكثين وأسرع المشاقين ، فانبرت ألسنة التسويغ والاعتذار تعلل نقض العهد بالاجتهاد .

ومثل ذلك ما وقع من بعضهم من قتال لبعض وسفك للدماء من أجل مكاسب دنيوية ، فقالت المسوغة ذلك اجتهاد ، وقد جرى أمثاله بين الصحابة، ونحو ذلك من العبارات الخداعات .

 ومن التسويغات التي تقال في الأخطاء العامة المتكررة أو التي يصر أصحابها عليها العبارات التالية :

          (( لعل له عذراً وأنت تلوم ))  و((لا تناصح من إذا قال فعل )) و(( ما باليد حيلة )) و(( العين بصيرة واليد قصيرة )) و(( تغمض العين على قذاها )) و (( تجري الرياح بما لاتشتهي السفن ))

وفي القرآن العظيم كشف لزيف الذرائع الباطلة التي تعلق بها بعض البشر فمن ذلك قوله تعالى { ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لايهدي من هو كاذب كفار } هذا في شأن المشركين .

أما في شأن المنافقين فقد كشف الله أحوالهم وبين بطلان مسوغاتهم ووهن أعذارهم ،فمن ذلك قوله تعالى في شأنهم لما سخروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم }

وبين الله تعالى طريقهم في استعمال الأيمان فقال جل وعلا { اتخذوا إيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله } وقال { يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين }

وقال تعالى في شأن إعراضهم عن التحاكم إلى شريعته واعتذارهم بأنهم لم يفعلوا ذلك إلا أنهم أرادوا الإحسان السياسي والاعتقادي والتوفيق بين المطالب والمصالح  { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً  فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً }

وخلاصة القول أن نفسية التسويغ من القضايا التي تحتاج إلى نظر وعناية واهتمام ، على صعيد الفرد نفسه، وعلى صعيد المجتمع والأمة، وذلك بتفهم هذه القضية وأبعادها، ومعرفة طبيعة النفس الإنسانية ودوافعها المعلنة والخفية، ثم الوقوف بصدق مع النفس، بإرادة قوية، ومواجهة حقيقية مع الأمور، ووقفة واقعية مع المشكلات.

فإن ذلك أفضل من اصطناع الأعذار واختراع الحيل والمسوغات الخادعة، التي تجعل مشاكلنا تتراكم ولا تأخذ مسارها إلى الحل السليم.

إن الصدق مع الذات من أفضل درجات الصدق وأقوم مسالك  الإصلاح الذاتي والاجتماعي .

وإياك والأمر الذي إن توسعت      موارده ضاقت عليك المصادر

فما حسن أن يعذر المرء نفسه      وليس له من سائر الناس عاذر