ابحث فى المقالات






نفي الأسماء والصفات في الأدب الحداثي

الوجه الثاني من أوجه انحرافاتهم في أسماء الله تعالى وصفاته : نفي أسماء الله تعالى وصفاته الثابتة له .

وهذه قضية يسيرة على الحداثيين الذين رتعوا في الضلال ووصفوا الله بشتى أوصاف السوء ، واستعملوا في حقه لغة الشتم والذم والسباب .

وقد مرّ فيما مضى ما يدل على هذا الوجه من الانحراف ، إمّا مطابقة كنفي أدونيس وتكذيبه بالإسراء والمعراج وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع ربه ، حين ساق ذلك كله على شكل أسطوري وحين جعل من نفسه بديلاً للرسول ، واختلق الأكاذيب .

وإمّا تضمناً ولزوماً ، وهذا في كلامهم كله ، فإنه يلزم من وصف الله بالنقص كالموت والظلم والنكاح والولد والنسيان وغير ذلك مما عجت به أقوالهم الخبيثة ، يلزم منه نفي صفات الكمال لله تعالى ونفي أسمائه الحسنى - جَلَّ وَعَلاَ - .

ومما مرّ معنا مما لا فائدة من إعادته هنا أقوال المفتون نصر أبو زيد في نفي صفة الكلام لله ونفي أن القرآن كلام الله وتأييده رأي المعتزلة وثنائه على منهجهم .

وله في نفي أسماء الله وصفاته قول فاسد خبيث حيث جعل فهم نصوص الوحي المخبرة عن الله تعالى وصفاته وعن الغيبيات ، فهماً يوافق طريقة السلف ، جعل ذلك مساهماً في تشكيل صورة أسطورية ، حيث قال : ( تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه ملكاً بكسر اللام ، له عرش وكرسي وجنود ، وتتحدث عن القلم واللوح ، وفي كثير من المرويات التي تنسب إلى النص الديني الثاني - الحديث النبوي - تفاصيل دقيقة عن القلم واللوح والكرسي والعرش ، وكلها تساهم - إذا فهمت فهماً حرفياً - في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ماوراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس ... ولعل المعاصرين لمرحلة تكون النصوص - تنزيلها - كانوا يفهمون هذه النصوص فهماً حرفياً ، ولعل الصور التي تطرحها النصوص كانت تنطلق من التصورات الثقافية للجماعة في تلك المرحلة ، ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك ، لكن من غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في بعض اتجاهاته على تثبيت المعنى الديني عند العصر الأول ، رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتها لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري ... ) .



والمعنى نفسه يكرره حداثي آخر في ندوة بعنوان “ الإسلام والحداثة ” حيث قرر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تداولوا ألفاظاً ومعاني في الصفات والغيبيات بناء على المحيط الذي كانوا يعيشون فيه ، وهذا القول والذي سبقه يتضمن نفي حقائق هذه الألفاظ التي جاء بها الإسلام ، وهي بداية موجة إلحادية لنفي الإسلام وسائر شرائعه وأخباره .

والنص المشار إليه هو قوله : ( ... لم يكن محمد ولم يكن معاصروه معتزلة ولا كانوا أشاعرة ، ولا فلاسفة ، ولابد أن المعاني التي تداولوها من محيطهم والتي أسندوها إلى ألفاظ الألوهية والجبروت والغفران واليد والعرش وغيرها من عبارات الذات والصفات الآلهية تتميز تميزاً كبيراً عما أسند إليها لاحقاً في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة ) .

وفي الندوة المذكورة آنفاً والمعنونة بعنوان “ الإسلام والحداثة ” يتحدث حسن حنفي عن الوحي ومنزلته في التوراة والإنجيل والقرآن الذي يسميه الوحي الجديد فيقول : ( ... يكشف الوحي الجديد صفات التنزيه للتوحيد وصلة الخلق في صفة “ كن فيكون ” وأن الله ليس له أصابع يضع عليها الأرض والشجر ... ) .

وعلى الرغم أن صاحب النص قد أعلن في الندوة أنه ماركسي وأن إيمانه يكفره ، وقرر بأنه ( ... قد تداخل كلام الله وكلام البشر في أصل الوحي في القرآن ... ) ، وغير ذلك من الأقوال والعقائد الموجبة لحد الردة ، إلاّ أنه يحاول أن يظهر في النص السابق - وهو يناقش تحريفات اليهود - بمظهر الباحث المطلع ، شأنه شأن أساتذته من المستشرقين ، فكذب على الوحي المعصوم وادعى أن الإسلام قد جاء بنفي صفة الأصابع عن الله ، وهذا كذب وافتراء بل تثبت لله صفة الأصابع كما يليق بجلاله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالى - .

وقد مرّ معنا في المظهر السالف إلحاده في صفات الله وقوله بأن الله عالم قادر حي سميع بصير متكلم مريد بالمجاز وأن الإنسان له هذه الصفات حقيقة ؛ لأن الوحي كله مجاز وكل اللغة مجاز حسب زعمه .

وفي منثور كلمات الحداثيين مايدل على نفي صفات لله تعالى ، ومن ذلك قول السياب في أبياته التي قالها بعد أن أحس بقرب الأجل ودنو الموت ، وتضرع فيها إلى الله تعالى ، ولكن خلفيته الثقافية الملوثة جعلته يقول مخاطباً الله تعالى :

( أتسمع النداء ؟ يا بوركت ، تسمعُ

وهل تجيب إن سمعت ؟

صائد الرجال

وساحق النساء أنت يا مفجّع ) .

هذه أقواله بعدما يسمى “ توبة السياب ” وأوبته إلى الله !! ، والله - جَلَّ وَعَلاَ - يسمع كل شيء وهو السميع ، ويجيب من يشاء وهو قريب مجيب - جَلَّ وَعَلاَ - .

أمّا صلاح عبدالصبور فقد جعل الحلاج قناعاً له ، واتخذ من شخصيته إطاراً يسقط من خلاله فكره وعقيدته ، ومن ذلك قوله المنقول آنفاً في نفي صفته العين لله تعالى .

أمّا يوسف الخال فإنه أضاف إلى كل بلاياه وتخبطاته الاعتقادية وضلاله الإلحادي قوله :

( الله عين لا ترى أحداً

سوادُها ملء السموات ) .

وقوله :

( من كان يسمع النداء

لعل في السماء أحداً

يثأر للدماء ) .

وقوله :

( فلايتدحرج صخر القبور

ولايصعد الله نحو السماء ) .

وسعدى يوسف الحداثي العراقي يستخدم لفظ الرمل رمزاً للتخلف وهو رمز متداول عند الحداثيين ، ويريدون به الإسلام .

وسعدى ينسب الله تعالى إلى الرمل ويجعله بلا صفات مرة ، ومرة مجهول الصفات فيقول :

( أنافي انتظار يديك يا رباً يسير على الرمال

إن الذي قد سار فوق الماء مات

وبقيت أنت

بلا صفات

لكن قلبي في انتظارك

فالبحر مزقه نبي بالحذاء

وبالبخار

القيته يبكي على قدمي ، مهتوك الإزار

وبقيت أنت

إلهي الرملي ، مجهول الصفات

إلاّ من الألم المقدس في انتظاري

وأنا أشق الرمل لكن أغوص

في الصفر

أحصي اللانهاية في النهاية ) .

ونزار قباني يقول :

( لم نزل نظن أن الله في السماء

يعيدنا لدورنا ) .

أمّا هرطقات علاء حامد في روايته مسافة في عقل رجل فكثيرة متناقضة متهافتة ومنها زعمه الكاذب : ( إن الله تعالى لفظاً ومعنى من اختراع الإنسان ) .

وزعمه أن القول بأن الله مستوٍ على عرشه مجرد أوهام صنعت بمهارة .

ونحو ذلك هرطقات نوال السعداوي التي ذكرت أشياء منها في الوجه الأول من أوجه انحرافاتهم في الأسماء والصفات ومما يستشهد به في هذا الوجه قولها : ( ... وكتموا أنفاسهم محملقين في السماء

متصورين أن الله له يد يرونها بالعين ، وسجدوا حتى لامست جباههم الأرض ، سبحانه ليس له يد ولا لسان ) .